فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 853

ومن وجوه الإعلال أيضًا: وهو من لطائف وقرائن الإعلال، أن هل الكوفة من فقههم هو أن الوتر يكون متصلًا سواءً كان ثلاثًا أو كان خمسًا، ويرون أن الوتر بثلاث هو الأرجح، ويكون متصلًا بلا جلوس، وهذا مستفيض عند أهل الكوفة، وكذلك أيضًا مستفيض عند أهل البصرة، ولهذا قد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عن عمرو عن الحسن قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يجلس إلا في أخراهن، ومراده بذلك ما كان من أهل بلده، هذا القول مشتهر مستفيض عند أهل الكوفة، هشام بن عروة بن الزبير إنما ارتحل من المدينة إلى أهل الكوفة، وحدث بذلك الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشرة ركعة من الليل يوتر بخمس، هذه الزيادة (لا يجلس إلا في أخراهن) تأتي موافقة لمذهب الكوفيين، وهذه قرينة على الإعلال، ويحتمل أن هذا إما أن يكون غلط من هشام بن عروة نفسه، وإما أنه فسر رواة العراق ذلك الحديث عن هشام بن عروة، جعلوه مفسرًا يرون أن هذا من البداهة أنه لا يجلس إلا في أخراهن، فجعلوه مدرجًا فحمل مرفوعًا، ورفعه في ذلك خطأ، يخالف ما كان عليه الرواة من نقلة الأخبار عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة وغيرها. فينبغي لطالب العلم في أبواب النقد أن ينظر في أسانيد الرواة ثم ينظر في عمل بلدانهم، لأن العمل يؤثر على الرواية، إما بالرفع، كما في حديث عبد الله بن مسعود في رواية عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله في مسألة الوتر بثلاث، وذلك أنه يوافق ما هم عليه، بل كان فقهاء الكوفة ينهون الرجل أن يوتر بثلاث يفصل بينهن، وعلى هذا أصحاب علي بن أبي طالب وأصحاب عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله. ولهذا نقول: إن الرواية لما رواها هشام بن عروة وحدث بها أهل الكوفة، رووه عنه بما يوافق العمل المستفيض عندهم في الكوفة، فظنوا أن الخبر كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت