ومقياس الكثرة والقلة بحسب طبقة الراوي، فالطبقة كلما كانت متقدمة لم يحتج العلماء إلى عدد كثير من الرواية؛ لأن الدواوين أو جمع المرويات من البلدان لم يكن متوفرًا بخلاف من تأخر، ولهذا تجد عند المتأخرين مثلًا في طبقة الإمام أحمد أو طبقة شيوخه كوكيع وغيرهم من الرواة، هؤلاء من شيوخ الإمام أحمد لديهم أحاديث بالآلاف وربما تزيد على عشرة آلاف أو عشرات الآلاف، هذه الأحاديث التي يروونها ذلك أنها لما جمعت وارتحل الناس إليها أخذوا يدونونها في صحف وفي رقاق وجلود، وأخذوا يحدثون بها الناس فأصبحت مجموعة، بخلاف النقل من الأفواه، وهذا لا يعني أن الجامع في ذلك هو أعظم من غيره منزلة، ولكن هذا بالاعتبار، بمعنى: أن وكيع بن الجرح يكون أكثر أحاديث ممن تقدم مثلًا من التابعين كقيس بن أبي حازم؛ لأن طبقته قريبة من الصدر الأول والأحاديث في ذلك الناس قل ما يحتاجون إليها، لضعف الحاجة من جهة الخلاف وعدم وروده عندهم واستقرار العمل على ذلك، وكذلك أيضًا ضعف الأشياء المولدة في مسائل الدين، ولهذا تجد الطبقة الأولى من التابعين هم أقل عددًا من الطبقة التي تليهم، بل الأحاديث التي عند شعبة بن الحجاج هي أكثر من أحاديث أبي هريرة نفسه وهو صحابي جليل، وأكثر من حديث عمر، وأكثر من حديث أبي بكر الصديق وهكذا، ولهذا نقول: إن كثرة الحديث وقلته لابد أن ينظر فيه إلى الطبقة، الطبقة كلما تأخرت أصبحت الأحاديث المطلب في ذلك الكثرة والمقياس في ذلك يقل. ولهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول في حديث عبد الملك بن عمير: له حديث قليل ويخطئ فيه كثيرًا، لم يرو إلا خمسمائة وهي قليلة وخطؤه فيها كثير، خمسمائة بالنسبة للطبقة التي هو فيها، والشيوخ الذين أدركوا ومجالس الحديث فما جاء إلا بخمسمائة حديث هذه قليلة! وخطؤه في ذلك كثير، ولهذا يرد الإمام أحمد حديثه ويضعفه جدًا.