ولهذا نقول: إن من قرائن الإعلال تفرد أرباب المعاجم بالحديث المرفوع الذي لا يوجد عند غيرهم، فهم يوردون المفاريد والغرائب، وذلك كالطبراني في معاجمه الثلاث، والبزار و الخطيب و ابن عساكر في كتابه التاريخ، وكذلك المقادسة بجميعهم، وكذلك مفاريد الحاكم في كتابه المستدرك في الأحاديث المرفوعة التي لا تعرف عند غيره، وكتاب السنن للدارقطني، فإن إيراد الحديث في كتابه السنن قرينة على إعلاله، وكلما تأخر المتفرد في الحديث زمنًا كان ذلك أمارة على إعلاله، وكلما تقدم الحديث المسند في ذلك زمنًا ضعفت قرينة الإعلال، وإنما قلنا: إن تأخر الزمن أمارة على الإعلال؛ لأن الحديث قد مر على أولئك الأئمة فلم يتلقفوه، أعني: الكبار وذلك كالبخاري و مسلم وأرباب السنن الأربعة، والإمام أحمد رحمه الله، فلماذا تركوا هذا الحديث في أفواه الرواة! إذا ترك من قول عائشة فلماذا يترك إذا رواه أحد أصحابها ممن يروي عنها! فلماذا يترك من التابعين؟ ولماذا يترك من أتباع التابعين، وكلما تأخر وكان المتن في ذلك غريبًا ولم يرووه دليل على أنهم تركوه وتحاشوه، وهذه علة نظرية عقلية صحيحة، وذلك أن أهل العناية والدراية هم أعلم الناس بالصنعة، وهذه المسألة مهمة في التشهد بعد سجدتي السهو، كيف نعل الحديث بأنه لم يروه الأئمة الأوائل وتركوه لمن بعدهم كالطبراني؟ أضرب مثالًا. الجوهرة إذا كنت في طريق مثلًا: في سكة وفيها قطعة ذهب وقد مر عليها أناس من هذا الطريق وأنت تراهم مروا من عند الجوهرة ثم مالوا عنها وذهبوا، فأتيت وقد مر مائة رجل من هذا الطريق ومنهم صيارفة وأصحاب متجر ذهب وصاغه يعرفون الذهب ومع ذلك مروا من عندها وتركوها، فهل تفرح بها إذا وقفت عليها أم تقول ما يقوله العامة: ما عاف الطير في خير؟ لا شك أنك ستقول هذا.