فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 2794

ابنِ مسعودٍ؛ قال: «مَن صلَّى في السَّفَرِ أربعًا، أعادَ الصلاةَ» (1) .

وهذا مُنكَرٌ، تفرَّدَ به غالبُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، عن حَمَّادٍ، عنِ النَّخَعيِّ؛ وغالبٌ متروكٌ.

ونسَبَ بعضُ الفقهاءِ لعائشةَ وجوبَ الإتمامِ في كلِّ سفرٍ، ولا يصحُّ عنها إنكارُ القصرِ بكلِّ حالٍ، ولم يقُلْ به أحدٌ مِن فقهاءِ التابعينَ الذين عُرِفُوا بالأخذِ عنها.

وقد عُلِّقَ القَصْرُ بالضربِ في الأرضِ؛ كما في قولِه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} ، والضَّرْبُ في الأرضِ هو السفرُ، وأُطلِقَ في الآيةِ كما أُطلِقَ في السُّنَّةِ ولم يُقيَّدْ بنصٍّ صحيحٍ صريحٍ؛ إحالةً للعُرْفِ، ولاختلافِ البُلْدانِ، ولسابقِ عِلْمِ اللهِ بتغيُّرِ البُلْدانِ والمَراكِبِ، فلو قُيِّدَ بالأيَّامِ ولو يومًا، لكان دَوَرانُ الأرضِ كلِّها اليومَ لا يُعَدُّ سَفَرًا لاختِلافِ المَراكبِ، ولو قُيِّدَ بمفارَقةِ البُنْيانِ، لسَقَطتْ أحكامُ السفرِ في كثيرٍ مِن بُلْدانِ الهندِ والصينِ؛ لطولِها مع اتِّصالِ بُنْيانِها، وفي الهندِ والصينِ اليومَ يَسيرُ الراكِبُ نهارًا كاملًا، ولا تنفَكُّ العينُ عن بناءٍ يَتْبَعُ بناءً، وأُطلِقَ الضَّرْبُ في الأرضِ؛ لأنَّ السفرَ يتلبَّسُ به كلُّ أحدٍ، فلا يحتاجُ إلى تقييدٍ؛ لاتضاحِه في العُرْفِ عندَهم.

ولم يُحفَظْ في زمَنِ النبوَّةِ أنَّ أحدَ الصحابةِ سألَهُ عن مسافةِ القصرِ مع قيامِ الحاجةِ وعمومِ البَلْوى، ولم يَظهَرْ أنَّ الصحابةَ اختَلَفُوا فيما بينَهم في حدِّ ذلك اختلافًا يرَوْنَهُ يُعارِضُ ظاهرَ القرآنِ؛ وإنَّما تختلِفُ أقوالُهُمْ وأفعالُهُمْ بحسَبِ حالِهِمْ وحالِ السائلِ، وربَّما اختلفَتْ أقوالُهم لاختلافِهم في تفاضُلِ القصرِ والإتمامِ في السفرِ، لا في حقيقةِ السفرِ في ذاتِه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (4466) (2/ 561) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت