وبعضُ الفقهاءِ يَحمِلُ تبايُنَ أقوالِهم في هذا على اختلافِهم في حدِّ السفَرِ نَفْسِهِ، لا فيما يحتَفُّ به مِن حالٍ وقصدٍ؛ ولذلك تَوَسَّعُوا في حكايةِ حدِّ مسافةِ القَصْرِ عنِ الصحابةِ، ووُضِعَتْ بعضُ الأقوالِ في غيرِ موضعِها، وجعَلُوا للواحدِ منهم أقوالًا متضادَّةً متعارضةً، ومَن نظَرَ إلى المرفوعِ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وإلى الموقوفِ على الخلفاءِ الرَّاشِدِينَ، وجَدَ أنَّها حكايةُ حالٍ.
وهذا وغيرُهُ مما يُحكَى مِن تنوُّعِ أقوالِ الصحابةِ يعضُدُ أنَّ الأمرَ يَرجِعُ إلى العُرْفِ؛ وإنَّما خِلافُهم في حالِ المسافِرِ وما يَقترِنُ بسفَرِهِ مِن قرائنَ خارجةٍ عنه، يُنزِلونَ الحُكْمَ بعدَ معرفتِها على ذاتِ السَّفَرِ، فيُظَنُّ أنَّ اختلافَهم على مسافةِ السَّفَرِ التي يصحُّ بها القَصْرُ.
وقد صحَّ في مسلمٍ: أنَّ عُمَرَ قصَرَ بذي الحُلَيْفةِ (1) ، وبينَها وبينَ المدينةِ اثنا عشَرَ كيلًا أو أقلُّ، واليومَ هي مِن المدينةِ أو أوشكَتْ، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ الصلاةَ إلى خَيْبَرَ؛ كما رواهُ أَسْلَمُ، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا؛ رواهُ البيهقيُّ (2) ، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ في ثلاثةِ أميالٍ؛ رواهُ اللَّجلاجُ العامريُّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (3) .
ولم يُقيِّدْهُ عثمانُ بنُ عفَّانَ مسافةً؛ وإنَّما قيَّدَهُ بما يتَحقَّقُ معه السفَرُ عادةً في العُرْفِ، وهو الشخوصُ والبروزُ في الأرضِ، الذي يحتاجُ فيه معه إلى الزَّادِ، فقال: إنَّما يَقْصُرُ الصلاةَ مَن كان شاخِصًا أو بحضرةِ عدوٍّ؛ وهو صحيحٌ عنه؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ وغيرُهُ (4) .
وصحَّ عن عليٍّ: أنَّه قصَرَ وهو منطلِقٌ إلى صِفِّينَ؛ رواهُ عنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (692) (1/ 481) .
(2) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 136) .
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (8137) (2/ 202) .
(4) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (4285) (2/ 521) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (8151) (2/ 203) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 137) .