والأصلُ: أنَّ النيَّةَ معتبَرةٌ لانعِقادِ الأقوالِ والأعمالِ، والثوابِ والعقابِ عليها؛ كما في «الصَّحيحَيْنِ» ؛ مِن حديثِ عمرَ؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (1) .
ويدخُلُ في لغوِ اليمينِ: ما حلَفَ عليه الإنسانُ، ثُمَّ نَسِيَهُ قبلَ التمكُّنِ مِن الوفاءِ به؛ قال به النَّخَعيُّ (2) ؛ وذلك كمَن حلَفَ على شيءٍ، ثمَّ نَسِيَ أيُّ شيءٍ حلَفَ عليه، فهو لا يذكُرُ إلاَّ اليمينَ، ولا يذكُرُ ما حلَفَ عليه لِيَفِيَ به.
ويدخُلُ في اللغوِ ذِكْرُ اليمينِ على شيءٍ نسيانًا، وهو يقصِدُ شيئًا آخَرَ.
وقولُه تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ؛ المؤاخَذةُ في الآيةِ محمولةٌ على المؤاخَذةِ في الآخِرةِ، وعلى المؤاخَذةِ في الدُّنيا بعَدَمِ الكفَّارةِ، وهما قولانِ للمفسِّرينَ، ويَظهَرُ تفسيرُ ذلك كما في قولِه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} الآيةَ [المائدة: 89] ، على خلافٍ عند المفسِّرينَ في رجوعِ قولِهِ تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ} ؛ هل هو راجعٌ إلى لغوِ اليمينِ، أو إلى {مَا} في قولِه: {بِمَا عَقَّدْتُّمُ} ؟
وهذا الخلافُ في المؤاخَذةِ في الآيةِ، على معنيَيْنِ متَّسِعٍ وضيِّقٍ:
فمِن العلماءِ: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ كلَّها في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهذا المعنى المتَّسِعُ؛ فلا إثمَ ولا كفَّارةَ.
ومِنهم: مَن قال: نَفَى اللهُ المؤاخَذةَ الأُخرويَّةَ فقَطْ؛ وهذا المعنى الضَّيِّقُ؛ فلا إثمَ في الآخِرةِ، وتجِبُ الكفَّارةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري (1) (1/ 6) ، ومسلم (1907) (3/ 1515) .
(2) «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 409) .