فهرس الكتاب

الصفحة 1542 من 2794

وليس في قُدْرتِهم الإضرارُ بالإسلامِ وأهلِه، وما فعَلَهُ عمرُ ليس إلغاءً للحُكْمِ ونَسْخًا له؛ وإنَّما رَفْعٌ له لانتفاءِ عِلَّتِه.

وقد أَعطَى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أقوامًا بعدَ فتحِ مَكَّةَ وظهورِ القُوَّةِ وسُلْطانِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ وذلك لقِيامِ المُوجِبِ في أعيانِ المؤلَّفةِ قلوبُهم.

ولا يثبُتُ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم نصٌّ في نسخِ سَهْمِ المؤلَّفةِ قلوبُهم، وغايةُ ما في ذلك عملُ الصحابةِ، وإنَّما اختُلِفَ في فَهْمِه؛ مِنهم: مَن يَرى عمَلَهم عِلْمًا بالنَّسْخِ، ومنهم: مَن يَراهُ رَفْعًا للحُكْمِ؛ لانتفاءِ العِلَّةِ، والصوابُ: أنَّه ليس بنَسْخٍ، وقد قال يونُسُ: سألتُ الزُّهْريَّ عنهم؟ فقال: «لا أعلَمُ نسخًا في ذلك» (1) .

والمؤلَّفةُ قلوبُهم على نوعَيْنِ:

النوعُ الأولُ: كفارٌ يُتألَّفُونَ؛ لِيُقبِلوا على الإسلامِ، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه؛ وذلك أنَّ بعضَ الكفَّارِ يَحمِلُ كُرْهًا وحِقْدًا وغِلًّا على الإسلامِ وأهلِه؛ لكَسْرِ شَوْكَتِه، وذَهَابِ هَيْبَتِه، أو لِمَا أصابَهُ مِن فَقْدِ مالٍ ودمٍ وسُلْطانٍ، والمالُ يُقرِّبُهُ ويُلِينُ قَلْبَه، فيَتأمَّلُ الحقَّ بتجرُّدٍ بعدَ زوالِ ما يَجِدُ، كما أعطى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ وغيرَهُ.

النوعُ الثاني: مُسلِمونَ، لكنَّهم فُسَّاقٌ، أو مُنافِقونَ يُتألَّفونَ؛ لِيَحسُنَ إسلامُهم، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه.

وهؤلاء يُعطَوْنَ ولو كانوا أغنياءَ؛ لأنَّ العِلَّةَ التي أُعطُوا لأَجْلِها ليستِ الفقرَ، بل تأليفَ القلبِ، كعِلَّةِ العمَلِ عليها، فأُعطِيَ حتَّى الغنيُّ لهذا المَقصَدِ، وقد قال مَعقِلُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: سألتُ الزُّهْريَّ عن (المؤلَّفةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير القرطبي» (10/ 266) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت