نزلَتْ آياتُ براءةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ثمَّ بعَثَ أصحابَهُ إلى الحجِّ: أبا بكرٍ وعليًّا وأبا هُرَيْرةَ وغيرَهم؛ وذلك قبلَ حَجَّةِ الوداعِ بعامٍ، وأَمَرَهم أنْ يُنادُوا في الناسِ بالبَرَاءةِ بتلاوةِ آياتِها مِن أوَّلِ السُّورةِ، على خلافٍ عندَ العلماءِ في عددِ الآياتِ المتلوَّةِ منها؛ فرَوَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّها عَشْرُ آياتٍ (1) ، وروى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظيُّ مرسَلًا؛ أنَّها ثلاثونَ أو أربعونَ آيةً (2) ، وروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّها أربعونَ آيةً (3) .
ولَمَّا كان نزولُ براءةَ سابقًا للنِّداءِ بها بزَمنٍ أَقَلُّهُ مَسِيرُ الصحابةِ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ، وقَعَ خِلافٌ عندَ السلفِ في بَدْءِ المُدَّةِ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشركينَ، وهي الأربعةُ الأشهُرِ: هل كانَتْ مِن ابتداءِ نزولِها على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، أو كانَتْ مِن وقتِ النِّداءِ بها؟ وفي المسألةِ خلافٌ كثيرٌ؛ للاختلافِ في يومِ النِّداءِ بها، وفي المرادِ بالأشهُرِ الحُرُمِ، وقد اختَلَفَ السَّلفُ في مدَّةِ الإمهالِ على أقوالٍ:
فقيل: كان بَدْءُ النداءِ بها في يومِ النَّحْرِ، وتَنتهي بتَمَامِ شهرِ اللهِ المحرَّمِ، وتمامُ ذلك خمسونَ ليلةً؛ رواهُ عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (4) .
وظاهرُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه اعتَدَّ بما قبلَ النِّداءِ مِن زمنِ الإمهالِ الفائتِ؛ وذلك أنَّه لو تعلَّقَتْ كلُّ أمَّةٍ ببَدْءِ بلاغِها، لَمَا كان لذلك ضابطٌ عندَ المُسلِمينَ؛ لاختلافِ زَمَنِ بلوغِ العهدِ الجديدِ وتفاوُتِ المشرِكِينَ فيه، ويكونُ المنتهَى مجهولًا؛ لاختلافِ العِلْمِ بيومِ المبتدَى، فجُعِلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «زوائد المسند» (1/ 151) .
(2) «تفسير الطبري» (11/ 309) .
(3) «تفسير الطبري» (11/ 321) .
(4) «تفسير الطبري» (11/ 306) .