وعلى هذا القولِ؛ فلا يجوزُ الانتفاعُ بالقَرْنِ والنابِ، والأظلافِ وريشِ الطيورِ؛ لأنَّه يَتَّصِلُ بها وله حَيَاةٌ؛ وذلك لأنَّ ظاهرَ الآيةِ خُبْثُ اللحمِ وتحريمُهُ، ويلحَقُ به حكمًا ما اتَّصَلَ به.
القولُ الثاني: يحرُمُ الانتفاعُ بكلِّ أجزاءِ الميتةِ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وشدَّدَ أبو حنيفةَ، ومنَعَ مِن الانتفاعِ بها مِن جميعِ الوجوهِ، حتى بإطعامِها الكلابَ والطيورَ ونحوَها (1) .
وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: سألَ إنسانٌ عطاءً عن صُوفِ المَيْتةِ، فكَرِهَهُ، وقال: «إنِّي لم أسمعْ أنَّه يرخَّصُ إلا في إهابِها؛ إذا دُبِغَ» (2) ؛ وهو صحيحٌ.
والحُجَّةُ في ذلك: عمومُ التحريمِ في الآيةِ في قولِه: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} ، وعمومُ التحريمِ في الآيةِ منصرِفٌ إلى محلِّ التحريمِ؛ وهو الأكلُ قليلُهُ وكثيرُهُ، ويَظْهَرُ ذلك فيما قبلَها في الآيةِ، قال: {كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ} [البقرة: 168] ، ثمَّ بيَّنَ المحرَّمَ ممَّا يُؤكَلُ، والآياتُ في سياقِ بيانِ المطعوماتِ، لا عمومِ المنافعِ، والمتأمِّلُ لها يَرَى هذا ظاهرًا في قولِهِ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ، ثمَّ قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، ثمَّ قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} .
وأمَّا جِلْدُ المَيْتةِ: فعامَّةُ العلماءِ على عدمِ طهارتِهِ بلا دِبَاغٍ، وما جاء عن الزُّهْريِّ فيما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ: كان الزهريُّ يُنكِرُ الدباغَ، ويقولُ: «يُستمتَعُ به على كلِّ حالٍ» (3) فلعلَّه أرادَ دِبَاغَ جلودِ الحيةِ لا الميتةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: «الفتاوى الهندية» (5/ 344) .
(2) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (207) (1/ 67) .
(3) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (185) (1/ 62) .