فهرس الكتاب

الصفحة 1659 من 2794

بعِلْمِهِ لحظِّ نفسِه، ولم يأخُذْ يوسُفُ بعِلْمِهِ المجرَّدِ حتى يُقيمَ عليه بيِّنةً وحِيلَةً.

وقد تقدَّمَ الكلامُ مفصَّلًا على مسألةِ حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] .

قال تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}

[يوسف: 77] .

تكلَّمَ إخوةُ يوسُفَ بالسُّوءِ في يوسُفَ مع تقادُمِ العهدِ وبُعْدِه، مع ما فعَلُوهُ به مِن تغييبٍ، وما لَحِقَهُ بعدَ ذلك مِن استعبادٍ ومُراودةٍ على فتنةٍ، ثمَّ سَجْنِهِ وطُولِ مُكْثِهِ فيه، ومع ذلك كلِّه لم يَنتصِرْ يوسُفُ لنفسِهِ منهم.

وفي هذا: أنَّه ينبغي لمَن كان عملُهُ للهِ ويقومُ بأمرِ اللهِ في الناسِ: أنْ يَغِيبَ انتصارُهُ لنفسِه؛ لأنَّه إنْ كان الانتصارُ لنفسِهِ في كلِّ ما فاتَ مِن حقِّه، غابَ معه العدلُ، والقائمُ للهِ قد باعَ نفسَهُ له، فلا يَليقُ بمَن باعَ نفسَهُ للهِ أنْ يَنتصِرَ لها؛ فإنَّها ليستْ له.

وهكذا ينبغي لأصحابِ الولاياتِ ـ وخاصَّةً الكُبْرى ـ ألاَّ يَنتصِرُوا لأنفُسِهم؛ لأنَّ مَنِ اتَّسَعَ أمرُهُ في الناسِ وسُلْطانُه، نالَ الناسُ منه ووقَعُوا فيه؛ لكثرةِ الجُهَّالِ والظَّلَمَةِ، وربَّما تكلَّمَ فيه بعضُ الناسِ بحقٍّ، فإنِ انتصَرَ لنفسِهِ في كلِّ مَظلِمةٍ مِن فعلٍ وقولٍ، انشغَلَ بالانتِصارِ لنفسِهِ عن الانتصارِ لأمَّتِه، وعاشَ لنفسِهِ ولم يَعِشْ لأُمَّتِه، وقد وقَعَ أقوامٌ مِن الجَهَلةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت