وقولُه تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} ؛ يعني: الوصيَّةَ في أوَّلِ الآيةِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} وما يَلِيها مِن أحكامٍ.
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ اسمَيْنِ مِن أسمائِهِ الحُسْنَى، فقال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *} ؛ عليمًا بحالِكم وما يُصلِحُها، وحكيمًا في قضائِهِ وفرائضِه، وحُكْمِهِ ووصاياهُ؛ فيَضَعُها في مواضِعِها الصالحةِ لكم، وإنْ جَهِلَ البشرُ الحكمةَ منها أو مِن بعضِها؛ لِقُصُورِ عقولِهم عن إدراكِها.
قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12]
بعدَما ذكَرَ اللهُ مِيرَاثَ الأولادِ والوالدَيْنِ، ذكَرَ مِيرَاثَ الزوجَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ، والزوجانِ يَرِثَانِ بالفرضِ مِن غيرِ رَحِمٍ بينَهما، ولا نظيرَ لهما في أصحابِ المواريثِ في هذا؛ وذلك لأنَّ صِلَةَ الزوجيَّةِ وثيقةٌ، فجعَلَها اللهُ شبيهةً بالرحِمِ في الميراثِ.
وجعَلَ اللهُ ميراثَ الزوجِ مِن الزوجةِ على حالتَيْنِ:
الأُولى: إن كان للزوجةِ ولدٌ ولو مِن غيرِه، فله الربُعُ ممَّا ترَكَتْ زوجتُه.