القادمِ مِنْ أصحابِهِ إجلالًا ومودَّةً؛ أخذًا مِن هذِهِ الآيةِ كما جاء عن أبي العاليةِ، كما عندَ أبي نُعَيْمٍ عن أبي خَلْدَةَ؛ قال: «كان أبو العاليةِ إذا دخَل عليه أصحابُهُ يُرحِّبُ بهم ثمَّ يَقْرَأُ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} » (1) .
والحقوقُ والحاجةُ بينَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والصحابةِ متبادَلةٌ، والأصلُ: أنَّ حقَّ النبيِّ أعظَمُ، وإنْ جاؤوا طالِبينَ سماعَ كلامِ اللهِ، فحقُّهم أعظَمُ، لا لفضلِهم على مقامِ النُّبُوَّةِ؛ وإنَّما لفضلِ مطلوبِهِمْ على كلِّ مطلوبٍ، وحقِّهم على كلِّ حقٍّ؛ فواجبُ النبوَّةِ البلاغُ، وواجبُ الناسِ السماعُ والعملُ، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَملِكُ البلاغَ والإسماعَ، ولكنْ لا يَملِكُ قلوبَ العِبادِ؛ فدخولُ الصحابةِ لمعرِفةِ العملِ ليَعمَلوا؛ وبهذا زادُوا بالحقِّ؛ ولهذا جاء تخصيصُ مُبادَرةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالتحيَّةِ على مَن دخَلَ مؤمنًا مِن قبلُ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} ، ولم تكنِ المبادرةُ بالتحيَّةِ لِمَنْ دخَلَ غيرَ مؤمنٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} [التوبة: 6] ، وبطلبِ السماعِ للاتِّباعِ استحَقَّ الصحابةُ حقَّ بَذْلِ التحيَّةِ عليهم ولو كانوا هم الداخِلِين؛ فقد يكونُ المفضولُ أحَقَّ بالشيءِ مِن الفاضلِ، ولا يُؤثِّرُ هذا في أصلِ التفاضُلِ.
وقد جاءَتِ السُّنَّةُ بترتيبِ الأحقِّ بالبدءِ بالسلامِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهُم على بعضٍ، وتَجِدَ النفوسُ للكِبْرِ مَوضِعًا، ويطلُبَ أحدُهُمْ حقًّا ليس له، فيَظُنَّ الرفيعُ أنَّ له الحقَّ أنْ يُسلَّمَ عليه لرِفْعَتِهِ وشَرَفِهِ بكلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «حلية الأولياء» (2/ 221) .