رَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ هَدَفَهُ؛ كما في «المسندِ» ، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ، عنه صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: (مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَلَغَ الْعَدُوَّ، أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ، كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) (1) .
لأنَّه ببلوغِهِ العدوَّ يؤثِّرُ فيهم خوفًا وهَلَعًا وإرهابًا، ولو لم يَسفِكْ منهم دمًا، أو يُتلِفْ فيهم مالًا؛ لأنَّ تخويفَ العدوِّ قد يبلُغُ فيهم أشَدَّ مِن مَبلَغِ قتلِ الواحدِ والجماعاتِ منهم؛ فإنَّ مِن القتلِ ما يَحمِلُ العدوَّ على الحَمِيَّةِ والنعرةِ الجاهليَّةِ، فيَصبِرُ ويتجلَّدُ العدوُّ حتى يُقتَلَ كما قُتِلَ صاحبُه ولو كان على باطلٍ.
ومَن تأمَّل كلامَ السلفِ، وجَد أنَّهم يُفسِّرونَ القوةَ بتفسيراتٍ تجتمِعُ بأنَّ القوةَ كلُّ ما كان سببًا في نصرِ المُسلِمينَ على الكافرِين؛ كإعدادِ الحصونِ والأنفاقِ والخنادقِ، وصناعةِ السلاحِ وإنِ اختلَفَ نوعُهُ وقَدْرُه، والمراكبِ الحاملةِ للجنودِ والغُزاةِ والمُقتحِمِين، وأعظَمُهُ وأفضَلُهُ أشَدُّهُ تأثيرًا على العدوِّ وقوةً في المؤمنِين؛ ولذا فسَّرَ عِكْرِمةُ القوةَ بالحُصُونِ (2) ، وفسَّرها مجاهدٌ بذكورِ الخيلِ (3) ، وقال ابنُ المسيَّبِ: «هي مِن الفَرَسِ إلى السهمِ فما دونَه» (4) .
وكلُّ ما تقوَّى به المجاهدُ ولو مِن زادِهِ ولِباسِهِ ونِعالِه، فهو مِن القوةِ؛ فعن رجاءِ بنِ أبي سَلَمةَ؛ قال: «لَقِيَ رجلٌ مجاهِدًا بمَكَّةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ، قال: فقال مجاهدٌ: هذا مِن القُوَّةِ، ومجاهِدٌ يَتجهَّزُ للغزوِ» (5) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أحمد (4/ 386) ، والنسائي (3145) .
(2) «تفسير الطبري» (11/ 246) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1722) .
(3) «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1722) .
(4) «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1722) .
(5) «تفسير الطبري» (11/ 246) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1722) .