ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه بأخذِ الجِزْيةِ إلاَّ متأخِّرًا؛ وذلك بعدَ شدَّةِ التمكُّنِ وظهورِ القُوَّةِ والغَلَبةِ، وذلك شبيهٌ بأمرِ الأَسْرى، فقد كان اللَّوْمُ في أوَّلِ الأمرِ على فِدَائِهم؛ حتَّى لا يَركَنَ الناسُ إلى الدُّنيا والدَّعَةِ والتلذُّذِ بالعَبِيدِ والإماءِ والمالِ؛ فلِلدُّنيا طَعْمٌ إنْ بدَأَ بأخذِهِ السالِكونَ ولم يَذُوقُوا أَمْرَ الشِّدَّةِ، فقد يُصيبُهم الرُّكونُ والوَهْنُ وحبُّ الدُّنيا؛ وهذا مِن أسبابِ تأخيرِ أخذِ الجزيةِ على المؤمِنِينَ، مع أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم قبلَ ذلك الغنائمَ والخَرَاجَ، لكنَّ المالَ معَ شِدَّةٍ ليس كالمالِ معَ الراحةِ، وكثرةُ المالِ ليسَتْ كقِلَّتِه.
ومِن ذلك: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان مُنشغِلًا باستئصالِ المشرِكينَ بمَكَّةَ، وهم أشَدُّ كفرًا مِن أهلِ الكتابِ، وإنزالُ أهلِ الكتابِ على الجِزْيةِ ومنعُ المشرِكِينَ مِن ذلك: يُورِثُهم عِنَادًا فوقَ عِنَادِهم، فيَظُنُّونَ أنَّه يُرِيدُ بهم استصغارًا واحتقارًا لِمِلَّتِهم، فهم يَزْعُمونَ أنَّهم على دِينِ إبراهيمَ وليسوا عليه، فلمَّا ارتفَعَ عامَّةُ الشِّرْكِ مِن جزيرةِ العربِ أو أكثرِها نزَلَتْ آيةُ الجِزْيةِ.
وهذه الآيةُ مخصِّصةٌ لعمومِ الآياتِ الآمِرةِ بالقتالِ بإطلاقٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على بعضِ أحكامِ الجِزْيةِ عندَ قولِهِ تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ، وأحكامِ أخذِ العُشُورِ عندَ قولِهِ تعالى: {وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 86] .
وإذا بذَلَ أهلُ الكتابِ الجِزْيةَ، لَزِمَ الإمساكُ عن قتالِهم، وليس أخذُ الجزيةِ والقتالُ محلَّ تخييرٍ عندَ قتالِ المُسلِمينَ لهم؛ ففي «الصحيحِ» ؛ مِن حديثِ بُرَيْدةَ؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ،