وقد أخَذَ بعضُ العلماءِ مِن تغليظِ السيِّئاتِ في الأشهُرِ الحُرُمِ وفي الحَرَمِ ـ تغليظَ العقوبةِ على مَنْ أصابَ حَدًّا فيها، وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ يثبُتُ؛ وإنَّما هو اجتهادٌ مِن بعضِ السَّلَفِ والفقهاءِ؛ أخذًا مِن مُقتَضى التعظيمِ والنَّهْيِ عن الظُّلْمِ فيها؛ ولهذا اختَلَفُوا في نوعِ التغليظِ ومِقْدارِه.
وقد ذهَبَ كثيرٌ مِن السَّلَفِ: إلى تغليظِ العقوبةِ لِمَن أصابَ حدَثًا في الحَرَمِ؛ مِنهمُ: ابنُ المسيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، وطاوسٌ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ.
وذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى عدمِ التغليظِ.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .
نَزَلَتْ في غَزْوةِ تبوكَ لمَّا استنفَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المؤمنينَ؛ كما قال مجاهدٌ: «أُمِرُوا بغَزْوةِ تَبُوكَ بعدَ الفتحِ، وبعدَ الطَّائِفِ؛ وبعدَ حُنَيْنٍ؛ أُمِرُوا بالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، حينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ، وطابَتِ الثِّمَارُ، واشتَهَوُا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المَخرَجُ» (1) .
وإذا استَنْفَرَ الإمامُ الناسَ، وجَبَ النفيرُ بلا خلافٍ، وفي «الصحيحَيْنِ» ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (11/ 460) .
(2) أخرجه البخاري (1834) ، ومسلم (1353) .