وهي سورةٌ مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ السابقةِ التي نزَلَتْ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بمَكَّةَ، وفيها مِن قصصِ الأنبياءِ وما أُنزِلَ عليهم مِن كُتُبٍ وعِبَرٍ وحُجَجٍ، وذِكْرُ ثباتِهم وحُسْنِ عاقبتِهم، وسُنَّةِ اللهِ في الظالمينَ مِن أُمَمِهم، وذِكْرُ آياتِ اللهِ ومخلوقاتِهِ العظيمةِ الدالَّةِ على قُدْرَتِهِ وحقِّه في العبادةِ، وذِكْرُ خَلْقِ الإنسانِ وضَعْفِهِ وطُغْيانِهِ وعَجَلَتِهِ في أمرِهِ واتِّباعِهِ لنفسِهِ وهوَاه.
قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] .
في هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الذِّكْرِ المُطلَقِ في كلِّ زمانٍ، وقد ثبَتَ في الوحيِ مشروعيَّةُ الذِّكْرِ بإطلاقٍ؛ وذلك في عموماتٍ ثلاثةٍ:
الأولُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ زمانٍ بلا استثناءٍ؛ لهذه الآيةِ: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ *} ، وقولِ عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ؛ رواهُ مسلمٌ، وعلَّقَهُ البخاريُّ (1) .
وليس للذِّكْرِ زمانٌ مخصوصٌ به كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ؛ فهو أعَمُّ منها.
الثاني: يُشرَعُ الذِّكْرُ على كلِّ حالٍ بلا استثناءٍ؛ كما قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] ، وقال تعالى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (373) ، والبخاري معلَّقًا قبل حديث (305) .