وفي شهادةِ الكافرِ في الوصيَّةِ في السفرِ كلامٌ يأتي في سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ.
وأمَّا شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ بعضِهم على بعضٍ، ففيها خلافٌ مشهورٌ؛ فأجازَها عليٌّ وشُرَيْحٌ، وبقولِهِ قال أهلُ الكوفةِ وأبو عُبَيْدٍ وإسحاقُ.
وفي ظاهرِ الآيةِ عدمُ جوازِ شهادةِ الصبيِّ؛ لكونِه مِن غيرِ الرجالِ؛ لأنَّ الصبيَّ ينسى ويخوَّفُ، وإن كانت فِطْرَتُهُ صحيحةً ولا يَعرِفُ الكذبَ، إلا أنَّه أكثَرُ نِسْيانًا وتلقينًا، وفي قبولِ شَهَادَتِهم خلافٌ عند السلفِ والخَلَفِ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ:
الأولُ: لا تجوزُ شهادةُ الصبيِّ، وبه قال الجمهورُ؛ قالَ ابنُ عباسٍ: «ليسوا ممَّنْ يُرضَوْنَ؛ لأنَّ اللَّهَ يَقولُ: {مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} » (1) ، وبه قال أبو حنيفةَ والكوفيونَ والشافعيُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ.
ولا يُعلَمُ عن أحدٍ مِن السَّلَفِ بسنَدٍ صحيحٍ قبولُ شهادةِ الصبيِّ في كلِّ شيءٍ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في بعضِ الحقوقِ والأحوالِ؛ كشهادةِ بعضِهِم على بعضٍ، وشهادتِهم في الجراحِ، ومَن رُوِيَ عنه إطلاقُ الجوازِ ـ كابنِ الزُّبَيْرِ والشَّعْبيِّ ـ فهيَ مقيَّدةٌ مِن وجوهٍ أُخرى عنهم.
الثاني: تجوزُ شهادةُ الصِّبْيانِ بعضِهِم على بعضٍ؛ وبهِ يقولُ أهلُ المدينةِ، ومالكٌ، والنَّخَعيُّ، وعُرْوةُ، وقضى بهِ عليٌّ، وقال به ابنُ الزُّبَيْرِ، واشترَطَ عدَمَ تَفَرُّقِهم؛ قالَ: «إذا جِيءَ بهم عندَ المُصِيبةِ، جازَتْ شَهَادَتُهُم» (2) .
وعلَّةُ اشتراطِ عدمِ الافتراقِ: حتَّى لا يَنْسَى أو يُلقَّنَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 561) .
(2) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (15495) (8/ 349) .