قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] .
أمَرَ اللهُ المؤمناتِ بغضِّ البصرِ، وقدَّمَ غضَّ البصرِ على حِفْظِ الفَرْجِ؛ لأنَّ إطلاقَ البصرِ طريقٌ يَنتهي بإضاعةِ الفَرْجِ؛ فقدَّمَ اللهُ حِفْظَ الوسيلةِ لتُحفَظَ الغايةُ، ثمَّ نَهَى اللهُ نساءَ المؤمِنينَ عن إبداءِ الزِّينةِ، وثَمَّةَ تلازُمٌ بينَ إطلاقِ البصرِ وبينَ الزِّينةِ؛ وذلك أنَّه لا تُكثِرُ التزيُّنَ للرِّجالِ الأجانبِ إلاَّ مَن أطلَقَتْ بصَرَها فيهم، فتشوَّفَتْ إليهم ببَصَرِها، فَزيَّنَتْ بدَنَها ولِبْسَها، ولو لم تُطلِقْ بصَرَها لم يكنْ في القلبِ داعٍ للتزيُّنِ لهم، ومَن حَفِظَتْ بصَرَها، حَفِظَتْ فَرْجَها، ولم يقعْ في قلبِها جذبُ الرجالِ إليها في الزينةِ؛ لأنَّ القلبَ خالٍ منهم؛ ولهذا قدَّمَ اللهُ حِفْظَ البصرِ على حِفْظِ الفَرْجِ والنهيِ عن الزينةِ؛ لأنَّ البصرَ حبلٌ يَجذِبُ القلوبَ ويحرِّكُها إلى التزيُّنِ لإغراءِ الرِّجالِ وإغوائِهم والوقوعِ في الحرامِ.
وشَدَّدَ اللهُ على الرَّجُلِ في غضِّ البصرِ، وشَدَّدَ على المرأةِ في الحِجَابِ؛ حتى يُقلِّلَ ما بينَهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنَّه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مَفَاتِنِه، ولا أنَّه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بَصَرِها فتُفتَنَ، ولكنَّ الوحيَ يشُدُّ الحبالَ المُرتَخِيَةَ في النفوسِ أشَدَّ مِن الحبالِ الثابتةِ فيها، وأقرَبُ الناسِ إلى السقوطِ يُجذَبُ أشَدَّ مِن البعيدِ عنها؛ حتى تكتمِلَ فِطْرةُ العَفَافِ وتَصِحَّ، فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بَصَرَهُ، فإنَّ المرأةَ تَدْفَعُ فِتنتَهُ