وفي ذلك أنَّ الأمَّةَ التي تعطِّلُ الجهادَ كالأُمَّةِ الميِّتةِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ حياةً في قولِه: {دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، وهو الجهادُ.
ويُظهِرُ تلازُمَ اشتِدادِ الفِتَنِ في المُسلِمينَ عندَ تعطيلِ الجهادِ: أنَّ اللهَ ذكَرَ بعدَ حياتِهم به تحذيرَهُ مِن عاقبةِ الفتنِ عليهم بقولِه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً} ؛ وذلك أنَّ الفتنَ لا تكثُرُ إلاَّ عندَ تعطيلِ الجهادِ والرُّكُونِ إلى الدُّنيا.
قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] .
تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرامِ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217] .
قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35] .
كانتْ قريشٌ تتعبَّدُ بالتصفيرِ والتصفيقِ عندَ البيتِ، والمُكَاءُ هو صفيرُ الطائرِ؛ فيقالُ: مَكَا الطيرُ يَمْكُو مُكَاءً ومَكْوًا: صَفَرَ، والطائرُ يُسمَّى المَكَّاءَ.
والتَّصْدِيَةُ مِن الصَّدَى، وهو ما يَسمَعُهُ الخالي بينَ جبالٍ أو في كُهُوفٍ أو عُمْرانٍ خاليةٍ، وأُرِيدَ به هنا التصفيقُ.