فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 2794

ومُدَّتِهم ـ مع أَبِيهَا، فاستفتَتْ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهِيَ راغِبةٌ ـ تطلُبُ العَوْنَ ـ أَفأَصِلُها؟ قال: (نَعَمْ، صِلِيهَا) ؛ رواهُ البخاريُّ (1) .

وهذا ظاهرُ القُرآنِ في قولِهِ تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [الممتحنة: 8] ، وتدخُلُ الهديةُ مِن هذا البابِ؛ لأنَّ الهَدَايَا تحبِّبُ النفوسَ وتستميلُ القلوبَ للمُهْدِي، وقد رُوِيَ في الحديثِ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (2) ، والآيةُ أخرَجَتِ الكافرَ الحَرْبيَّ، فلا يجوزُ الصدقةُ له، إلا لمَنْ غلَبَ على الظنِّ دفْعُ شرِّهِ وجلْبُ خيرِهِ؛ كهديَّةِ عُمرَ لأخيهِ في مَكَّةَ قميصًا.

وإذا أُعطِيَ الكافرُ تأليفًا لقلبِهِ، فيُعطَى المسلِمُ ضعيفُ الإسلامِ ليحسُنَ إسلامُهُ ولو كان غنيًّا، إذا عُلِمَ ذلك مِن حالِه؛ ليُؤمَنَ شرُّهُ، فشرُّ بعضِ فُسَّاقِ المسلِمِينَ ومنافِقِيهِمْ على الإسلامِ ربَّما يزيدُ على شرِّ بعضِ الكفَّارِ المعاهَدِينَ؛ فقد يكونُ المنافِقُ والفاسِقُ يُخشى عليهِ أنْ يكونَ عينًا للمشرِكِينَ أو كائِدًا متربِّصًا ببَيْضةِ الإسلامِ، والمالُ يكسِرُ قلبَهُ ويُطفِئُ هواهُ، وفي «الصحيحَيْنِ» ، عن أبي سعيدٍ؛ أنَّ عليًّا بعَثَ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها مِن اليَمَنِ، فقسَّمَها بينَ أربعةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بنِ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، وعَلْقَمةَ بنِ عُلاَثَةَ، وزَيْدِ الخَيْرِ، وقال: (أَتَأَلَّفُهُمْ) (3) .

وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُعطي الطُّلَقاءَ، وبعضَ مَن يَخشى بُعْدَهُ عن الحقِّ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (3183) (4/ 103) .

(2) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (594) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 169) ، وفي «الشعب» (8976) .

(3) أخرجه البخاري (3344) (4/ 137) ، ومسلم (1064) (2/ 741) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت