النوعُ الثاني: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها استقلالًا؛ كالمَزَاداتِ والمَتَاجِرِ التي تُوضَعُ للمُباهاةِ بينَ أهلِ البَطَرِ والكِبْرِ، وتَبِيعُ ما لا قيمةَ له بقيمةٍ؛ كألْبِسةِ وبقايَا المشهورِينَ؛ مِن مَنَادِيلِهم ومَسابِحِهم وأقلامِهم وأوانِيهم، ولو كانتْ بلا قيمةٍ في الناسِ لو كانتْ لغيرِهم؛ فهذا لا يليقُ بعاقلٍ غِشْيانُهُ، فضلًا عن القُدْوةِ الذي يتأسَّى به الناسُ.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *} [الأعراف: 32] .
سببُ نزولِ هذه الآيةِ: هو سببُ نزولِ ما سبَقَها؛ فقد نزَلَتَا جميعًا لبيانِ حُكْمٍ واحدٍ، والآيةُ السابقةُ كانتْ للأمرِ بالاستتارِ وتغطيةِ العَوْراتِ والتزيُّنِ للعبادةِ؛ وهذه الآيةُ لإبطالِ ما يعتقدونَهُ أنَّ اللِّباسَ محرَّمٌ؛ فقد كانتْ بعضُ قبائلِ العربِ تحرِّمُ على نَفْسِها اللِّباسَ في بعضِ طوافِها، فتطوفُ عُرْيانةً يُصفِّرونَ ويُصفِّقونَ؛ كما رواهُ ابنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ (1)
وصحَّ عن عليٍّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ يُحرِّمونَ أشياءَ أحَلَّها اللهُ مِن اللِّباسِ كالثِّيابِ، ومِن الطعامِ؛ كالوَدَكِ وغيرِه؛ فنزَلَتْ هذه الآيةُ (2)
وقولُه تعالى: {أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} : يُرادُ بهم جميعُ الناسِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ فالعبوديَّةُ تكونُ طَوْعًا وكَرْهًا؛ فالكافرُ عبدٌ للهِ ولو كَرِهَ لا يخرُجُ عن تقديرِهِ عليه، والمؤمِنُ عبدٌ للهِ طائعًا وكارهًا، فيَشترِكُ مع الخَلْقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (11/ 164) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1466) .
(2) «تفسير الطبري» (10/ 158) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1467) .