ومَن لم يَجِدْ ترابًا يَدفِنُ فيه الميِّتَ؛ كمَنْ كان في سفينةٍ في البحرِ ولم يجدْ أرضًا يَدفنُ فيها وطال سيرُهُ وخَشِيَ نَتْنَ الجسدِ وفسادَه، جاز له أنْ يُغسِّلَهُ ويُكفِّنَهُ كما يصنعُ به لو كان في بلدِهِ ثمَّ يرْمِيَ به في البحرِ، ولا يجوزُ لهم الاستعجالُ برميِه حتى يُخشى عليه تمزُّقُ الجسدِ وشدةُ النَّتْنِ، فقد مات أبو طَلْحةَ الأنصاريُّ في البحرِ، فانتظَرُوا فيه سبعةَ أيامٍ حتى بلَغُوا جزيرةً فدفَنُوهُ ولم يَتغيَّرْ؛ كما رواهُ ابنُ حِبَّانَ وأبو يَعْلى (1)
ويفضَّلُ أنْ يُوضَعَ فيه ثِقْلٌ حتى يصلَ إلى القاعِ حتى لا يطفُوَ على سطحِ الماءِ، وإنَّما يَنزِلُ إلى قاعِهِ فيجتمعُ عليه ترابُ البحرِ فيَدفِنُه.
وبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ استحَبَّ أن يكونَ بينَ لَوْحَيْنِ ليَطْفُوَ؛ فربَّما رماهُ البحرُ إلى شاطئٍ، فيراهُ الناسُ فيَدفنونَهُ؛ وهذا اجتهادٌ يَحْكُمُهُ الحالُ وقربُ المكانِ، واللهُ أعلَمُ.
وكذلك مَنْ كان في البُلْدانِ الجليديَّةِ التي لا ترابَ فيها وتعذَّرَ ذلك، جاز دفنُهُ في الجليدِ كما يُدفَنُ في الترابِ، والدفنُ في الجليدِ أَولى مِن الرميِ في البحرِ.
والماءُ بدلٌ عن الترابِ في الدفنِ، كما أنَّ الترابَ بدلٌ عن الماءِ في الطهارةِ، واللهُ أعلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (3413) ، وابن حبان في «صحيحه» (7184) .