فهرس الكتاب

الصفحة 1527 من 2794

وقولُهُ تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ؛ يَعني: قابِلينَ لكَلامِهم مُنصِتينَ له، والسَّمَاعُ للشيءِ: القابلُ له؛ كما في قولِهِ تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] ؛ يعني: قابِلينَ له، وقد جعَلَهُمُ اللهُ في المؤمِنِينَ بقَوْلِه: {وَفِيكُمْ} ، فلَم يَجعَلْهم مِن المُنافِقينَ.

وقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ مِن السَّلَفِ: أنَّ أولئك عيونٌ للمنافِقينَ؛ يَنقُلُونَ الكلامَ إليهم؛ كما قالهُ مجاهِدٌ وابنُ زيدٍ والطبريُّ (1) ؛ والأوَّلُ أظهَرُ وأشبَهُ.

ولا بدَّ أن يكونَ في صفِّ المؤمِنِينَ مَن يُحسِنُ الظنَّ بالمُنافِقينَ؛ لِمَا يُظهِرونَهُ مِن خيرٍ، ويَخْفى عليهم ما يُبطِنونَهُ مِن شرٍّ، وهذا يَغلِبُ في أهلِ الغَفْلةِ والغَرَارَةِ مِن أهلِ الإيمانِ الذين لا يُحسِنونَ رَبْطَ الحوادثِ المُتباعِدةِ بعضِها ببعضٍ، وسَبْرَ الأحوالِ، ومعرفةَ لَحْنِ القولِ والغايةِ منه، مع الجهلِ بِصِفَاتِهم في القرآنِ وطريقتِهم في العَدَاءِ للمؤمنينَ، وحَمْلِ ما يبدُرُ منهم مِن شرٍّ على أنَّه خطأٌ وفِسْقٌ، لا نِفاقٌ، وهؤلاء الذين لا يُفرِّقونَ بينَ الفاسقِ والمنافقِ؛ كما روى البخاريُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: «كنَّا عندَ حُذَيْفةَ، فقال: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ، وَلاَ مِنَ المُنَافِقِينَ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: إِنَّكُمْ ـ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم ـ تُخْبِرُونَا فَلاَ نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلاَقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الفُسَّاقُ، أَجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَوْ شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ، لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ» (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (11/ 486، و 487) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (6/ 1809) ، و «تفسير ابن كثير» (4/ 160) .

(2) أخرجه البخاري (4658) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت