قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]
والصَّدَاقُ هو المَهْرُ، ويُسمَّى في القرآنِ أَجْرًا؛ قال تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]
وهو فريضةٌ في النكاحِ؛ لقولِهِ في الآيةِ: {نِحْلَةً} ؛ يعني: فريضةً؛ وبهذا فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وعائشةُ وقتادةُ وابنُ جُرَيْج (1) ،
وهو فرضٌ بالاتِّفاقِ كما حكاهُ غيرُ واحدٍ؛ كابْنِ رُشْدٍ.
والعقدُ يصحُّ بلا تسميةٍ للمهرِ على قولِ جمهورِ الفُقَهاءِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] ؛ فإباحَةُ اللهِ الطلاقَ قبلَ تسميةِ المهرِ دليلٌ على صحةِ العقدِ، وأنَّ المهرَ والصَّدَاقَ لا يتعلَّقُ بصحةِ العقدِ؛ وإنَّما هو حقٌّ لاستباحةِ البُضْعِ؛ قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] ، فيُبتغى النكاحُ بالأموالِ؛ سواءٌ سُمِّيَ أو لم يُسَمَّ.
وشرطُ عدمِ المهرِ وإسقاطِهِ عندَ العقدِ فاسدٌ في نفسِهِ بالاتِّفاقِ، مُفسِدٌ للعقدِ على الصحيحِ؛ لأنَّ العقدَ بلا مهرٍ هِبَةٌ، والهبةُ لا تصحُّ في النكاحِ إلا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ كما قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 50] ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الهبةَ في النكاحِ بلا صداقٍ لا تجوزُ، وقد نصَّ على الإجماعِ غيرُ واحدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (6/ 380) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (3/ 861) .