فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 2794

وفي قولِه: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} استحبابُ العفوِ عن الزَّلاَّتِ، وأحَقُّ الناسِ بالعفوِ أقرَبُهم؛ كالوالدَيْنِ والأبناءِ، والإخوةِ والزوجاتِ، ومِثْلُهم العَفْوُ عن الخادمِ؛ لأنَّ كثرةَ القُرْبِ والمُخالَطةِ تُؤدِّي إلى كثرةِ الأخطاءِ في حقِّ الإنسانِ؛ فالناسُ يُخْطِئُونَ، ولكنْ لا يُشاهِدُ خطَأَهم ويَتأذَّى منه إلا مَن خالَطَهم، والبعيدُ لا يَرى الخطأَ إلا بمقدارِ مُخَالَطَتِهِ، ثمَّ إنَّ الناسَ يَقْوَوْنَ على التصنُّعِ والتحفُّظِ مِن الخطأِ مع البعيدِ، ولا يَقْوَوْنَ مع القريبِ؛ لهذا كان العفوُ عن خطأِ المُخالِطِ والجليسِ أعظَمَ مِن العفوِ عن خطأِ غيرِه؛ ولذا جاءَ في «سُنَنِ أبي داودَ» و «الترمذيِّ» ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، كم نعفُو عن الخادمِ؟ فصَمَتَ، ثمَّ أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلمَّا كان في الثالثةِ، قال: (اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) (1)

وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في العفوِ عن الخادمِ والمملوكِ؛ روى ابنُ المُنذِرِ عن أبي جعفرٍ، عن ربيعِ بنِ أنسٍ؛ في قولِ اللَّهِ ـ جلَّ ثناؤُه ـ: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} ؛ قال: «المملوكِينَ» (2)

والشريعةُ تَستحِبُّ العفوَ وكَظْمَ الغيظِ ما كان بمقدورِ الناسِ وفي طاقتِهم ووُسْعِهم، وما يُعجَزُ عن تحمُّلِه؛ فيُستحَبُّ الانتصارُ للنفسِ بالعَدْلِ، وطلبُ الإنصافِ بالحقِّ؛ ففي «المسنَدِ» وعندَ «الترمذيِّ» وغيرِه؛ مِن حديثِ حُذيفةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد (5899) (2/ 111) ، وأبو داود (5164) (4/ 341) ، والترمذي (1949) (4/ 336) .

(2) «تفسير ابن المنذر» (1/ 384) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت