وخصوماتُ الصِّبْيانِ فيما بَينَهُم لا يَشهَدُها الكِبَارُ غالبًا، وإذا لم تُؤخَذْ شهادتُهُم بَعْضِهِم على بَعْضٍ، ضاعَتِ الحقوقُ، وأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ.
الثالثُ: تجوزُ شَهادتُهُمْ في الجراحِ؛ وبهِ قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وإنَّما كان الخلافُ في قبولِ شهادةِ الصبيِّ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولحِفْظِ الحقوقِ؛ فالمَوْضِعُ الذي يُخشى فواتُ الحَقِّ فيه، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ ممَّا يُعايِنُونَهُ عادةً كالجراحِ والقَتْلِ؛ فلا يَشْهَدُها كلُّ أحدٍ؛ لأنَّها تقعُ عارِضةً، بخلافِ التعاقُدِ على مالٍ أو بَيْعٍ، فهذا يُستشهَدُ عليه، ويُقصَدُ الشاهدُ بعينِه، فشُدِّدَ في ذلك؛ حتَّى لا يُقصَدَ الصبيُّ بالشهادةِ، فتَضِيعَ الحقوقُ.
وظاهرُ الآيةِ: عدَمُ قبولِ شهادةِ المرأةِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قالَ: {مِنْ رِجَالِكُمْ} ، وقيَّدَ شهادتَهُنَّ مع الرجلِ الشاهدِ الواحدِ عندَ فَقْدِ الآخَرِ، ولا يظهَرُ جوازُ شهادةِ الأربعِ مِن النِّسَاءِ عن الرجلَيْنِ.
وعدمُ جوازِ شهادةِ المرأةِ: إنَّما هو في الأموالِ والحدودِ والدماءِ؛ لأنَّ الشريعةَ جاءتْ بأحكامٍ مُحكَمةٍ يُتِمُّ بعضُها بعضًا، ولا يتنافى حكمٌ مع حكمٍ؛ فالمرأةُ حرَّمَ اللهُ عليها خَلْوَتَها بالرجالِ واختِلاَطَها بمَجَالِسِهم؛ فهي لا تشهَدُ تَبَعًا خصوماتِهِمْ ومبايَعَاتِهِمْ، كحالِ الرجالِ بعضِهم مع بعضٍ، فلا يُناسِبُ مساواتُها في الشهادةِ، فتُطلَبُ منها كما تُطلَبُ مِن الرجلِ؛ فالشرعُ ينفِّرُها عن مجالِسِ الرجالِ، ثمَّ يَدْعُوهَا لتشهَدَ بيوعَهم وخُصُومَاتِهم؟! لذا جعَلَ الله تعالى إدخالَها في الشهاداتِ للحاجةِ عندَ فَقْدِ الرجلِ، ولأنَّها تغيبُ عن معرِفةِ الحالِ، جُعِلَتْ شهادةُ امرأتَيْنِ كشهادةِ الرجلِ؛ لقِصَرِ الفَهْمِ والإدراكِ لتلك الأحوالِ؛ ولذا جاء في «الصحيحَيْنِ» ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ وغيرِه، قال صلّى الله عليه وسلّم: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ