للأمَّةِ مِن خارِجِها، وإذا صلَحَتْ حالُهما وتآلفَتْ كَلِمَتُهما، صلَحَ حالُ الأمَّةِ وقَوِيَتْ شَوْكَتُها، وإذا تنافَرَ حُمَاةُ الأمَّةِ: علماؤُها ومُجاهِدُوها، تمزَّقَتْ وتسلَّلَ عدوُّها مِن خلالِها.
وحِفْظُ العِلْمِ فرضُ كفايةٍ، وفي تسميةِ طَلَبِهِ نَفِيرًا في قولِه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} دليلٌ على تشبيهِهِ بنفيرِ الجهادِ، فالمتفرِّغُ للعِلْمِ وتحصيلِهِ وتبليغِهِ نافرٌ كنفيرِ المجاهِدِ في سبيلِ اللهِ، والعالِمُ يُجاهِدُ بِقَلَمِهِ ولِسانِه، والمجاهِدُ يجاهِدُ بسيفِهِ وسِنَانِه، وإذا قامَا بما أمَرَهما اللهُ حَقَّ قيامٍ، قامَتِ الأمَّةُ وانتصَرَتْ وسادَتْ، وبمقدارِ خَلَلِ النافرَيْنِ فيها: العالِمِ والمجاهِدِ، يكونُ ضَعْفُ نصرِ اللهِ وكفايتِهِ لها، فإذا زَلَّ العالِمُ وحادَ لِسَانُه، وزَلَّ المجاهِدُ وحادَ سِنانُه، اضطَرَبَ أمرُ الأمَّةِ وتسلَّطَ عليها عدوُّها، وحَيْدَةُ قلمِ العالِمِ ولِسانِه: بكتمانِ الحقِّ وتلبيسِهِ على الناسِ بالباطلِ، وحَيْدَةُ سِنَانِ المجاهِدِ: بحَرْفِهِ إلى المؤمنينَ، وسَفْكِهِ دَمَهم، وعدمِ التورُّعِ عن حُرُماتِهم.
ولا تتمكَّنُ الأمَّةُ وتُحمَى ثُغُورُها إلاَّ بلِسَانٍ وسِنَانٍ؛ لِسانِ عِلْمٍ، وسِنَانِ سِدَادٍ.
وقد اختَلَفَ العلماءُ مِن السلفِ والخلفِ في التفاضُلِ بينَ نفيرِ العالِمِ ونفيرِ المجاهِدِ، وبينَ مِدَادِ العالِمِ ودمِ الشهيدِ، وجاء في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرْداءِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عمرَ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، في تفضيلِ مِدادِ العالِمِ على دمِ الشهيدِ، لا يثبُتُ منها شيءٌ، والأظهَرُ: أنَّ لكلٍّ مَقَامًا في الإسلامِ عظيمًا، ومَقامُ كلِّ واحدٍ بما يُؤدِّيهِ مِن أمرِ اللهِ عليه، فالعالِمُ لا يُفضَّلُ على الشهيدِ لمجرَّدِ عِلْمِه، حتى يقومَ به، والمجاهِدُ لا يُفضَّلُ على العالِمِ