وقولُه تعالى: {أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} ذكَرَ اللهُ ذلك بعدَما عَدَّ المحرَّماتِ وساقَها؛ فبيَّنَ أنَّ الأمَّةَ محسودةٌ على نعمتِها، ولمَّا كان السياقُ مشعِرًا بكثرةِ المحرَّماتِ على النفسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ أكثرُ آيةٍ في القرآنِ عُدَّتْ فيها المحرَّماتُ مِن المطعوماتِ، وقد يقعُ في النفسِ حرَجٌ؛ ولذا جاء بعدَها: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة: 4] ، وجاء السؤالُ بعدَ عَدِّ المحرَّماتِ استكثارًا لها، مع العِلْمِ بكثرةِ الحلالِ وكونِهِ أصلًا، ولكنَّ النفوسَ عندَ سياقِ المحرَّمِ وعَدِّه، تستكثِرُهُ، وتغفُلُ عن الحلالِ ووَفْرَتِه.
لذا نَبَّهَ اللهُ المؤمِنينَ على أمرٍ، وهو أنَّ الكافرينَ يحسُدُونَهم على دينِهم؛ ليأسِهِمْ مِن أنْ يُجارُوهُ بإحكامِهِ بعقلٍ أو دينٍ مِثْلِه، فيقومونَ بالعِنَادِ والمخالفةِ، وحقيقتُهُم حسدٌ وعنادٌ؛ فقال: {أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} ؛ فنبَّهَ اللهُ على الباطنِ مِن أمرِهم، وهو خطابٌ للمؤمِنينَ: ألاَّ تَستكثِروا الحرامَ، وتَغْفُلوا عن وفرةِ الحلالِ، وأنَّ العدوَّ قد يتَّخِذُ ذلك سبيلًا لإشعارِ المؤمنِ بضِيقِ دِينِه وشِدَّتِه، وحقيقتُهُ بغيٌ وحسدٌ؛ فمَن يَئِسَ مِن مقاوَمةِ الحقِّ، حرَّش بينَ أهلِهِ وأثارَ عليهم؛ ففي «الصحيحِ» :(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ
فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم) (1) ْ
ولمَّا عَلِمَ اللهُ ما في نفوسِ المُشرِكينَ مِن اليأسِ، أخبَرَ به المؤمِنينَ، وهو الإعجابُ بالإسلامِ والعجزُ عن مجاراتِه، وفي هذا أنَّ بيانَ إعجابِ الكافرينَ بدِينِ الإسلامِ، وعجزِهِمْ عن الإتيانِ بمِثْلِه: مِن أساليبِ القرآنِ تقويةً للإيمانِ، لا اعتمادًا عليه، وإنَّما زيادةُ يقينٍ؛ فإنَّ النفوسَ تشتدُّ عندَ مدحِ عدوِّها لدِينِها وعقيدتِها، وقد يغلو بعضُ الكُتَّابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (2812) (4/ 2166)