في الصلاةِ؛ لأنَّه كان يَنْفِيها مجتهدًا كقولِ الكوفيِّينَ، وتركُ العملِ بالرفعِ شيءٌ، ونفيُ كونِهِ سُنَّةً في الصلاةِ شيءٌ آخَرُ.
ومَن جاءَ عنه مِن السلفِ في الفروعِ طلبُ المُباهَلةِ فقطْ، وليس أنَّها حصَلتْ بينَهُ وبينَ أحدٍ مِن إخوانِه، فلعلَّ هذا لإثباتِ اليقينِ بالحقِّ، والإعلامِ بالصِّدْقِ.
والأمرُ المُتَّفَقُ عليه: أنَّ المُباهَلةَ لا يجوزُ إلا أنْ تكونَ بعدَ علمٍ وبيانٍ، ووضوحٍ وبرهانٍ، لا بظنٍّ ووهمٍ؛ ولذا قال تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا} ، وتكونُ المُباهَلةُ بعدَ المناظرةِ والعجزِ عن الإقناعِ بالحقِّ لهوًى وعنادٍ وكِبْرٍ في الخَصْمِ.
ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه أنْ يُباهِلَ أحدًا إلا النصارى؛ لِعِظَمِ باطِلِهم بنسبةِ عيسى ولدًا للهِ، مع وضوحِ باطِلِهم وشرِّه؛ ولذا قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا *إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا *} [مريم: 88 ـ 93] ، وقال تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا *} [الإسراء: 40] .
ولا ينبغي استسهالُ المُباهَلةِ في كلِّ أمرٍ ولو كان قطعيًّا؛ حتى لا تُستسهَلَ الأَيْمَانُ ولا يُعظَّمَ المحلوفُ به والمسؤولُ سبحانَه؛ فاللهُ يقولُ في اليمينِ المجرَّدةِ: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] ، فكيف بالأيمانِ المغلَّظةِ؟! ووضوحُ الحقِّ لا يعني المُباهَلةَ عليه حتى تُرى آثارُها في الناسِ؛ تحقيقًا للحقِّ، ودفعًا للباطلِ، ولو شُرِعَتِ المُباهَلةُ في كلِّ أصلٍ قطعيٍّ، فما مِن أصلٍ قطعيٍّ في الشريعةِ إلا وفيه مخالِفٌ وجاحِدٌ، ومُكابِرٌ ومُعانِدٌ.
قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75] .
في الآيةِ: جوازُ التعاقُدِ بينَ المسلمِ وبينَ الكتابيِّ والمُشرِكِ بالبيعِ والشراءِ والقرضِ والوديعةِ والأمانةِ، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في جوازِ المبايعةِ بينَ المسلمِ والكفَّارِ المُعاهَدِينَ، وقد تبايَعَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مع المشرِكينَ معاهَدِينَ وأهلَ حربٍ، وقد ترجَمَ البخاريُّ في «صحيحِه» : (بابُ الشراءِ والبيعِ مع المشركِينَ وأهلِ الحربِ) ، وأَسْنَدَ فيه مِن حديثِ أبي عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما؛ قال: كنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ثمَّ جاءَ رجلٌ مُشرِكٌ