وفيه: أنَّ الأصلَ مِن فِعْلِهِ الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ، وهو مُستحَبٌّ وسُنَّةٌ، لا واجبٌ وفريضةٌ.
وقد كان الصحابةُ منهم مَن يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ؛ كالخلفاءِ وابنِ عمرَ وغيرِهم، ومنهم مَن لا يتوضَّأُ إلاَّ إذا أحدَثَ؛ كجابرِ بنِ عبدِ اللهِ وغيرِه.
وقد روى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: «كَانَتِ الخُلَفَاءُ تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ» (1)
وكما يُشرَعُ الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ، فتُشرَعُ الصلاةُ عندَ كلِّ وضوءٍ؛ فإنَّ الطهارةَ والصلاةَ مُتلازِمتانِ.
وقد كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُحِبُّ أنْ يكونَ على طُهْرٍ دائمٍ؛ لأنَّه على ذِكْرٍ دائمٍ، ولا يُحِبُّ أن يَذكُرَ اللهَ إلاَّ وهو على طهارةٍ؛ ففي «المسنَدِ» ، وأبي داودَ؛ مِن حديثِ المُهَاجِرِ بنِ قُنْفُذٍ؛ أنَّه سلَّمَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يَبُولُ، فلم يَرُدَّ عليه حتى توضَّأَ، ثمَّ قال: (إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ عزّ وجل إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ ـ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ) أخرجه أحمد (19034) (4/ 345) ، وأبو داود (17) (1/ 5) .، وفي البخاريِّ ومسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي الجُهَيْمِ؛ قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَيْهِ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَأخرجه البخاري (337) (1/ 75) ، ومسلم (369) (1/ 281) .
ولا يجبُ مِن مواضعِ الوضوءِ إلاَّ ما جاء في الآيةِ، وهو الذي اجتمَعَتْ على وصفِهِ الأحاديثُ، واختَلَفَتْ وتبايَنَتْ في غيرِه، فكلُّها يذكُرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (302) (1/ 35) .