فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 2794

نحوِ خمسةٍ وعشرينَ كيلًا، وقد حُكِيَ ذلك عن أنسٍ، مع أنَّ أنسًا يَرى القَصْرَ فيما هو دونَ ذلك؛ كما في «صحيحِ مسلمٍ» ؛ مِن حديثِ يَحيى الهُنَائِيِّ؛ أنَّه سأَلَ أنسَ بنَ مالكٍ عنِ القَصرِ، فقال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» ؛ والشكُّ فيه مِن شُعْبةَ (1) .

اختلافُ أقوالِ النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِهِ في مسافة القصرِ:

ومُجرَّدُ فعلِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وكذا الصحابيُّ، للقصرِ: ليس مقيِّدًا لأَدْنى مسافةِ القصرِ؛ وإنَّما مجوِّزٌ لها، ولِمَا هو أَبْعَدُ مِنها مِن بابِ أَوْلى، ولا ينفي ما دُونَها؛ وإنَّما يُرجَعُ فيه إلى ضابطِهِ مِن عُرْفِ الناسِ؛ فقد يقصُرُ الصحابيُّ في موضعٍ، ولا يقصُرُ فيما هو أبعَدُ منه؛ وذلك لِعِلَّةٍ خارجةٍ عن مسافةِ القصرِ؛ كعِلَّةِ الذَّهَابِ والرجوعِ مِن يومِه، أو قصدِ الإقامةِ في بلدٍ أتَمَّ بها، وربَّما قصَرَ في موضعٍ؛ لأنَّه يُريدُ السيرَ أبعَدَ منه، فلا يُؤخَذُ القصرُ فيه حدًّا لأدنى مسافةٍ للقصرِ.

وما جاء مِن أقوالٍ وأفعالٍ متبايِنةٍ عنِ الصحابةِ، لا يصحُّ أن يُعارَضَ القولُ بالآخَرِ، ولا يَنسَخَ قولٌ قولًا؛ لأنَّهم أبصَرُ الناسِ وأفقهُهم بلُغَةِ الشَّرْعِ ومُرادِه، وهم أهلُ لسانٍ يَفهَمونَ عُرْفَ الشارعِ وعُرْفَ الناسِ، ولا بدَّ مِن حملِ اختلافِ أقوالِهم المتباينةِ على تنوُّعِ الحالِ، لا التضادِّ والتعارُضِ، ومَن تأمَّلَ هذا التنوُّعَ وتبايُنَهُ، وجَدَ أنَّ أرجَحَ المَحامِلِ أن يُحمَلَ اختلافُهم على ما يحتفُّ بالسَّفَرِ، لا على مَسِيرةِ السفرِ وحدَها.

وقد اختلَفَ الفقهاءُ مِن بعدِهم ـ مِنَ التَّابعينَ وأَتْباعِهم والأئمَّةِ الأربعةِ ـ في حدِّ السفرِ الذي يصحُّ معه القصرُ والفِطْرُ؛ على أقوالٍ كثيرةٍ، وبعضُها قد يُلحَقُ ببعضٍ؛ وذلك تَبَعًا لاختلافِ الصحابةِ وتنوُّعِ أقوالِهم، ومِن هذه الأقوالِ:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم (691) (1/ 481) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت