والأصلُ في أقوالِ التابعينَ: أنَّ مُستنَدَها الوقفُ على الصحابةِ؛ إمَّا عن واحدٍ أو عن جماعةٍ؛ ولهذا يقولُ أحمدُ بنُ حنبلٍ: «لا يكادُ يجيءُ عن التابعينَ شيءٌ إلاَّ يُوجَدُ فيه عن أصحابِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم» (1)
وإنَّما عُظِّمَتِ القرونُ المفضَّلةُ الأُولى؛ لقُرْبِها مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فعُظِّمَ الزمانُ بتعظيمِه.
وقولُه تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ *} ، فيه: أنَّ مِن أعظَمِ ما يُحبِطُ الأعمالَ: عدمَ تعظيمِ سُنَّةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ بالإعراضِ عنها عندَ سماعِها، أو رفعِ الصوتِ عندَها، أو تقديمِ أقوالِ الرِّجالِ عليها.
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السيِّئاتِ تُحبِطُ قَدْرًا مِن الحسناتِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.
قال اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *} [الحجرات: 6] .
أمَرَ اللهُ بالتثبُّتِ في روايةِ الأخبارِ والأقوالِ، وكلَّما كان أثرُ الخبرِ عظيمًا على الناسِ، كان التثبُّتُ فيه أعظَمَ وأَوجَبَ، وأوجَبُ الأقوالِ أنْ يُتثبَّتَ فيها: هي الأقوالُ المنقولةُ عن اللهِ ورسولِه؛ وذلك أنَّ أعظَمَ الكذبِ هو الكذبُ على اللهِ؛ قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا *} [النساء: 50] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ *} [يونس: 69] ، ووصَفَ اللهُ مَن افتَرَى عليه الكذبَ بعدمِ الإيمانِ؛ كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ *} [النحل: 105]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «العدة في أصول الفقه» (2/ 582) ..