ودخَلَ الشحمُ وغيرُهُ في حُكْمِ اللحمِ؛ لأنَّه الأصلُ في الاستعمالِ في لغةِ العربِ، فإنِ اشتَرَى الإنسانُ لحمًا أو باعَهُ، دخَلَ في حُكْمِهِ ما تخلَّلَهُ مِن شحمٍ وعَظْمٍ، ولكنْ لو اشتَرَى شحمًا وعظمًا، لم يدخُلْ في حُكْمِهِ اللحمُ؛ لأنَّ اللحمَ أصلٌ ويَتْبَعُهُ غيرُه في حُكْمِه.
وأمَّا ما احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ في قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} [145] ؛ فجعَلُوا وصفَ الرِّجْسِ عائدًا إلى المضافِ إليه، وهو (الخِنزيرُ) ، لا إلى المضافِ، وهو (اللحمُ) :
فاستدلالُهُمْ فيه نظرٌ؛ فإنَّ الضميرَ يعودُ إلى المضافِ لا إلى المضافِ إليه، ولو عاد في اللُّغةِ إلى اللحمِ، فهذا لا يُخرِجُ غيرَهُ، وإنَّما يَحتاجُ إلى مِثْلِ هذا التكلُّفِ اللُّغَويِّ مَن لم يَعرِفِ استعمالَ العربِ واصطلاحَهُمْ ووَضْعَهم للألفاظِ، ومَن عرَفَ استعمالَ العربِ الذي نزَلَ عليه القرآنُ، لم يحتَجْ إلى كثيرٍ من الاحتجاجِ عندَ اللُّغويِّينَ.
وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ كلامٌ حولَ جِلْدِ الخِنزيرِ وشَعْرِه.
الرابعُ: ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به: والمرادُ بالإهلالِ: ما رُفِعَ الصوتُ به لغيرِ اللهِ، فسُمِّيَ غيرُ اللهِ مِن وثنٍ أو صنمٍ أو طاغوتٍ؛ وإنَّما ذُكِرَ الإهلالُ للأغلبِ؛
لأنَّ العربَ كانتْ تَجهَرُ بذِكْرِ آلهتِها عندَ نَحْرِها، فمَن نوى بذبحِهِ آلهةً غيرَ اللهِ ولو لم يُهِلَّ به، فهو داخلٌ في هذا الحُكْمِ بلا خلافٍ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [173] الكلامُ على شيءٍ مِن أحكامِ آيةِ البابِ.
والنَّحْرُ والذبحُ مِن أعظمِ العباداتِ؛ فمَن صرَفَها لغيرِ اللهِ، فقد أَشْرَكَ، واللحمُ محرَّمٌ لا يجوزُ لأحدٍ أن يأكُلَهُ ولو لم يذبَحْهُ أو يَرْضَ به هو