والذين ينتكِسُونَ عن الحقِّ ثمَّ يَعودونَ إليه، تُقبَلُ توبتُهم، وتُحمَدُ أَوْبتُهم، ولا يُشمَتُ بسابِقَتِهم، ولكنْ لا يُوَلَّوْنَ ولا يُصَدَّرُونَ لقيادةِ الأمَّةِ، ولا في مواضعِ التأثيرِ فيها؛ وذلك أنَّهم لا يُؤتمَنونَ في عَوْدَتِهم إلى ما كانوا عليه، فالتَّذَبْذُبُ صِفةُ المُنافِقينَ، وربَّما كان ذلك يعودُ إلى عدَمِ رَجَاحةِ العقلِ وسلامتِهِ، وكلُّ ذلك يُضِرُّ بالأُمَّةِ، ولم يَكُنِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم والخلفاءُ الراشدونَ يُوَلُّونَ مرتدًّا تائبًا على بلدٍ، ولا يَجعلونَهُ إمامًا في ثَغْرٍ، وإنْ قَبِلُوا توبتَهُ وحَمِدُوها؛ إلاَّ ما كانَ مِن جَعْلِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ابنَ أبي السَّرْحِ والِيًا على مِصرَ؛ وذلك بعدَما سَبَرَ حالَه واستقامةَ أمرِه، وقد تَدَرَّجَ في تولِيَتِه؛ فبَدَأَ به على الخراجِ والحَرْبِ، ثم على صَعِيدِ مِصْرَ، ثُمَّ على مِصْر، وكان بينَ توبَتِه وولايتِه عليها نحوٌ مِن خَمسةَ عَشَرَ عامًا.
وهذا يَختلِفُ عمَّن كان على كُفْرٍ أو شِرْكٍ، ثمَّ دخَلَ إلى الإسلامِ والحقِّ، فثبَتَ عليه؛ فهؤلاءِ لم يَدْخُلوا الحقَّ ثمَّ خرَجُوا منه، وإنَّما أَتَوْهُ مُقبِلِين، ولَزِمُوهُ مُستيقِنين، وهؤلاءِ كعامَّةِ الصحابةِ؛ كانوا على جاهليَّةٍ وشِرْكٍ فدَخَلُوا إلى الخيرِ، ولم تَكُنْ سابقتُهم عَيْبًا فيهم بعدَ إسلامِهم، ولا مانِعًا مِن وِلاَيتِهم ولا سِيَادتِهم، وحالُهم وحالُ أمثالِهم يَختلِفُ عمَّن دخَلَ الإسلامَ واتَّبَعَ الحقَّ ثمَّ ترَكَهُ بعدَ معرِفتِه؛ فإنَّ هؤلاءِ لا يُؤمَنونَ مِن تركِهِ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّهم أقلُّ ثَباتًا مِن غيرِهم غالبًا.
قال تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] .
في هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ صلاةِ الجنازةِ، وهي فرضُ