فهرس الكتاب

الصفحة 1044 من 2794

وكلَّما قَوِيَتِ القرينةُ على عدَمِ صحةِ الإقرارِ، زِيدَ في تكرارِ الإقرارِ واستيضاحِهِ؛ كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لِمَن أقرَّ على نفسِهِ: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) (1) ، فهو أرادَ نَفْيَ شُبْهةِ الجنونِ وغيابِ العقلِ؛ ولذا أعادَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم طلَبَ الإقرارِ بأعدادٍ متبايِنةٍ؛ فتارةً مرَّةً، وتارةً مرَّتَيْنِ، وتارةً أربعًا؛ ممَّا يدلُّ على عدمِ قصدِ العددِ بعينِه، وإنَّما جِلاءُ الإقرارِ وتحقُّقُهُ وصِحَّتُه.

والإمامُ أحمدُ وإسحاقُ يَرَيَانِ الإقرارَ أربعًا لإقامةِ الحدِّ؛ لظاهرِ رَجمِ ماعزٍ في «الصحيحَيْنِ» ؛ حيثُ شَهِدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، وحديثِ جابرٍ في قصَّةِ رجمِ ماعزٍ؛ فإنَّما هو شَهِدَ على نفسِه مِن تِلقائِها، ولم يَطلُبْ مِنهأربعًا، ثمَّ بعدَ الرَّابعةِ قال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) ، فكانَتْ خمسًا، وظاهرُهُ عدمُ قصدِ الأربع؛ وإنَّما دفعُ الشبهةِ، والتشوُّفُ للسَّتْرِ.

ويكونُ الإقرارُ عندَ مَنْ له ولايةُ الحَدِّ، وهو الحاكمُ القاضي الذي يَفصِلُ ويأمُرُ بتنفيذِ ما فصَلَ به، لا عند غيرِه؛ عند جمهورِ العلماءِ.

قال تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .

في الآيةِ: كَراهةُ النَّجْوَى بغيرِ المعروفِ، والأمرِ بالصَّدَقةِ، والإصلاحِ بين الناسِ، والنَّجْوَى: هو الحديثُ الذي يُهمَسُ به بين اثنَيْنِ أو ثلاثةٍ، ولا يُعلَنُ فيُسمَعَ؛ وإنَّما يُسَرُّ به ويُخفَى؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] .

والأصلُ في الشريعةِ: التشوُّفُ إلى الإعلانِ، وكراهةُ الإسرارِ؛ لأنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (6815) (8/ 165) ، ومسلم (1691) (3/ 1318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت