{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] .
الثالثُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ مكانٍ، وهذا العمومُ دخَلَهُ استثناءٌ يسيرٌ، كعندِ قضاءِ الحاجةِ وما يَلحَقُ بها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يَرُدَّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عليه وهو على حاجتِهِ (1) .
والشريعةُ خَصَّتْ بعضَ الأحوالِ والأزمانِ والأمكنةِ بذِكْرٍ مخصوصٍ فيكونُ فيها الذِّكْرُ سُنَّةً، ويكونُ فاضلًا وغيرُهُ مفضولًا، بل إنْ تعمَّدَ تَرْكَ الفاضلِ في هذا الموضعِ والمداوَمةَ على غيرِهِ فيما جاءتِ السُّنَّةُ بخلافِه، فذلك بِدْعةٌ.
قال تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] .
في هذه الآيةِ نسَبَ إبراهيمُ تحطيمَ الأصنامِ إلى كبيرِ الأصنامِ مع أنَّه هو الذي فعَلَهُ، وليس هذا مِن الكذبِ الصريحِ؛ لأنَّ قومَهُ يَعْلَمونَ أنَّ الأصنامَ لا تتحرَّكُ، وليس فيها قوةٌ ذاتيَّةٌ تَقدِرُ على التصرُّفِ؛ وإنَّما أرادَ إرجاعَهُمْ إلى الحقِّ فيتفكَّرونَ فيما يَعبُدونَ مما لا يَملِكُ لنفسِهِ نفعًا ولا ضرًّا.
ويُسمَّى ذلك تجوُّزًا بالكذبِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الحقيقةَ الملفوظةَ ولو كان معلومًا به معنًى عندَ القائلِ به وسامِعِه، وهذه هي المَعَارِيضُ، والمعاريضُ تُستَعملُ عندَ الحاجةِ وتجوزُ، وليستْ مِن الكذبِ المَحْضِ؛ كما في قولِ عِمرانَ: «إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» (2) ، وبينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (370) .
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (26096) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (857) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 199) .