قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] .
كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقتُلونَ أولادَهُمْ لعلَّتَيْنِ:
الأُولى: قتلُهُمْ خوفَ الفقرِ والفاقةِ، وهذا يشملُ الذكورَ والإناثَ؛ كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] ، وقال: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31] .
الثانيةُ: قتلُهُمْ خوفَ العارِ؛ فيَخُصُّونَ به الأُنثى دونَ الذَّكَرِ، فيَئِدُونَها عندَ ولادتِها أو بعدَها؛ قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58 ـ 59] ، وقال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 ـ 9] .
وكانوا يَقتُلُونَها خَشْيةَ عارِها، وعارُها يكونُ بِفِعْلِها الفاحشةَ أو تَغَزُّلِ الرِّجالِ بها، أو بسَبْيِها؛ حيثُ يَقتُلُ بعضُهُمْ بعضًا، فيَتَسَابَوْنَ النِّساءَ حتى تكونَ الحُرَّةُ عندَ غزوِ القومِ عليها تُسفِرُ عن وَجْهِها؛ حتى تُظَنَّ أنَّها أَمَةٌ لا حُرَّةٌ فلا يَسْبُوها؛ فقد كانوا يَطمَعونَ في الحرائرِ ليكونَ أشَدَّ إيلامًا لعدوِّهم وأكثَرَ إذلالًا له.
وحتى لا ينقطِعَ نَسْلُهُمْ لحاجتِهم إلى الأزواجِ، كانوا يَئِدُونَ جاريةً ويَسْتَحْيُونَ أُخرى، وقد صحَّ عن عِكْرِمةَ قولُهُ: «تَئِدُ البناتِ ربيعةُ ومُضَرُ؛ كان الرجلُ يَشترِطُ على امرأتِهِ أنْ تَستَحْيِيَ جاريةً وتَئِدَ أُخرى» (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (9/ 591) .