{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] ، فعندَ ذِكْرِ النفوسِ ساوَى بينَها، وعندَ ذِكرِ آثارِها فرَّقَ بينَها؛ لاختلافِ آثارِها، والتَّساوي في القِصَاصِ، يتساوَى الذَّكَرُ والأُنثى حتى في قَطْعِ الظُّفُرِ بينَهما، فإنِ اعتَدَى أحدُ الجنسَيْنِ على الآخَرِ بظُفُرٍ، فالقِصاصُ بمثلِهِ سواءً.
وقولُهُ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ؛ المؤمنةُ: مَن صَحَّ إسلامُها؛ رَوى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: «يَعني بالمؤمنةِ: مَن عقَلَ الإيمانَ وصامَ وصلَّى» (1) .
وقال الشعبيُّ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وقتادةُ وغيرُهم: «التي تُصَلِّي» (2) .
وظاهرُ الآيةِ: عدمُ صحةِ عِتْقِ الكافرةِ، ومَن لا يصحُّ منها الإيمانُ ولو وُلِدَتْ على الإسلامِ؛ كالرَّقَبةِ الصغيرةِ التي لا تُدرِكُ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ والحسنِ وقتادةَ: عدمُ صحةِ عتقِ الصغيرِ حتَّى يصحَّ منه قصدُ الإيمانِ.
وقصدُ الإيمانِ هو معرِفةُ معنى الشهادتَيْنِ ومعنى العبوديَّةِ؛ وذلك لِما صحَّ في «المسنَدِ» ؛ مِن حديثِ الزُّهْريِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً، أَعْتَقْتُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (أَتَشْهَدِينَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟) ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (أَتُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (7/ 311) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (3/ 1032) .
(2) «تفسير الطبري» (7/ 310 ـ 311) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (3/ 1032) .