في مُقابِلِ الهدايات، والمعاصي في مُقابِلِ الطاعات، وقَدْرَ كلِّ واحدةٍ على ضدِّها، وقد روى مسلمٌ، عن مُصعَبِ بنِ سعدٍ؛ قال: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلاَ تَدْعُو اللهَ لِي يَا بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) ، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ (1) .
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] .
في هذا: بيانٌ لنجاسةِ المشرِكينَ، ولكنَّها نجاسةُ دِينٍ وعقيدةٍ، لا نجاسةُ جسمٍ وبدنٍ، عندَ عامَّةِ السَّلَفِ، خِلافًا للحسَنِ؛ فقد قال: «لا تُصافِحُوهم، فمَن صافَحَهُمْ فلْيتَوضَّأْ» ، رواهُ عنه أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، عندَ الطَّبريِّ (2) .
وكان قتادةُ يَجعَلُها متعلِّقةً بالجَنابةِ (3) ، وأنَّهم لا يَغتسِلونَ، ولكنَّ هذا لا يَرتفِعُ لو أنَّ كافرًا اغتسَلَ؛ لأنَّ الأمرَ عُلِّقَ بشِرْكِهِ لا بجَنابتِه، بخلافِ المسلمِ؛ فهو ممنوعٌ مِن دخولِ المسجِدِ لجَنَابتِهِ؛ كما في قولِه: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] ، وأمَّا المشرِكُ، فعُلِّقَ بشِرْكِهِ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} ، والجَنَابةُ لا تَنْقُلُ الحُكْمَ في البَدَنِ مِن طاهرٍ إلى نَجَسٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (224) .
(2) «تفسير الطبري» (11/ 399) .
(3) «تفسير الطبري» (11/ 397) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (6/ 1775) .