فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 2794

وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} هي مِن ألفاظِ الاستغفارِ لبني إسرائيلَ؛ أُمِرُوا بها عندَ الدخولِ؛ يُقالُ: حَطَّ اللهُ عنك خطايَاكَ، فهو يَحُطُّها حِطَّةً؛ روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ؛ قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: حِطَّةٌ: مغفرةٌ. وبه قال: استغفِروا اللهَ (1) .

وهو قولُ أكثرِ المفسِّرينَ مِن السلفِ؛ ويؤيِّدُ هذا أنَّه قال بعدَ ذلك: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} ؛ أيِ: استغفِروا ليُغفَرَ لكم، ولكنَّهم خالَفُوا أمرَ اللهِ، فزحَفُوا على أَسْتَاهِهِمْ؛ أي: مَقَاعِدِهم؛ كما في «الصحيحينِ» ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه؛ يقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، فَبَدَّلُوا؛ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ) (2) .

وهذا التبديلُ مِن تبديلِ اللفظِ وتبديل المعنى وتبديلِ العملِ؛ وهو شرُّ أنواعِ التحريفِ لأَمْرِ اللهِ، وهو المقصودُ في قولِه بعدَ ذلك: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 59] .

وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ أقوَى أنواعِ التوبةِ: تلك التي يجتمِعُ فيها عملُ القلبِ وعملُ الجوارحِ وقولُ اللسانِ؛ ولذا أمَرَهم اللهُ بالسجودِ، وأمَرَهُمْ بقولِ: «حِطَّةٌ» ، ولا بدَّ مِن عملِ القلبِ؛ لأنَّه أصلُ الامتثالِ بهذه المأموراتِ، وأنَّ هذا هو أعظمُ الإحسانِ؛ ولذا قال: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *} ، مع أنَّ الإتيانَ بالأعمالِ الصالحةِ في ذاتِه مكفِّرٌ للسيِّئاتِ؛ لقولِه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (1/ 716، 717) ، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 118) .

(2) أخرجه البخاري (3403) (4/ 156) ، ومسلم (3015) (4/ 2312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت