فهرس الكتاب

الصفحة 1067 من 2794

والمرادُ: أنَّ اللهَ قَضَى بين الجميعِ وهو أعلَمُ بالغنيِّ والفقيرِ مِنهم، وهو أحقُّ بمُعامَلتِهم بما يَعلَمُ حِكْمَتَهُ؛ وهذا في قولِه: {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} ، ولا يجتمِعُ عَدْلٌ وهوًى، وكلَّما زاد الهَوَى، مال بالعدلِ وانحَرَفَ.

وقولُه: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} ؛ لَوَى اللِّسانَ: حرَفَهُ؛ كما في قولِهِ تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78] ، والمرادُ: حَرْفُ الحُجَّةِ بعدَمِ الإفصاحِ عنها وإبانتِها، أو بيانِ بعضِها وتركِ بعضٍ؛ كما يَفعَلُ اليهودُ في كتابِهم.

والإعراضُ: هو تركُ الحقِّ كلِّه أو بعضِه، فتتأثَّرُ الحقوقُ بذلك، وفي هذا: وجوبُ الإتيانِ بالشهادةِ إنْ كان الحَقُّ لا يثبُتُ إلاَّ بها، ولو لم يُستَشهَدِ الإنسانُ عليها؛ وعلى هذا يُحمَلُ قولُ اللهِ تعالى: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] ، وقولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟! الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) (1) .

قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَئُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}

[النساء: 140] .

في هذه الآيةِ: وجوبُ مفارَقةِ مجالسِ المستهزِئِينَ مِن الكفَّارِ والمنافِقينَ؛ حتَّى لا يكونَ ذلك عونًا وتأييدًا لهم على شرِّهم، وإظهارًا للرِّضا بالسكوتِ؛ فيُشارِكَهُمُ الإنسانُ في الإثمِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم (1719) (3/ 1344) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت