سورةُ المؤمِنونَ مكيَّةٌ، وتَظهَرُ مكيَّتُها في مَعانِيها ودَلالاتِها؛ فغايتُها بيانُ وَحْدانيَّةِ اللهِ بذِكْرِ آياتِه في خَلْقِه؛ كتدبيرِ الأكوانِ، وخَلْقِ الإنسانِ، وتسخيرِ الأنعامِ، وعاقبةِ الظالمينَ مِن الأُممِ السابقِين؛ تذكيرًا بعاقبةِ كفرِهم وعنادِهم، وأنَّ مَن لَحِقَ بطريقِهم فنهايتُهُ كنهايتِهم.
وقد صلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالناسِ بمَكَّةَ، وقرَأَ بهذه السورةِ في صلاةِ الصُّبْحِ بالناسِ؛ كما روى مسلمٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ؛ قال: «صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى ـ شكَّ بعضُ الرُّواةِ ـ أَخَذَتِ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ» (1) .
قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 ـ 2] .
قدَّمَ اللهُ الخشوعَ في الصلاةِ على سائرِ صفاتِ المؤمِنينَ؛ لأنَّ قوةَ إيمانِ الإنسانِ بمِقْدارِ خشوعِهِ في صلاتِه، وكأنَّ ما يلي مِن صفاتٍ هي تَبَعٌ لهذه الصفةِ؛ فكاملُ الخشوعِ في الصلاةِ حاضِرُ القلبِ فيها: لا بدَّ أن يكونَ محقِّقًا لغيرِ ذلك مِن صفاتِ الخيرِ منها؛ كالإعراضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (455) ..