فهرس الكتاب

الصفحة 2513 من 2794

قال تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ *فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ *} [النمل: 35 ـ 37] .

لمَّا جاء كتابُ سليمانَ إلى مَلِكةِ سبأٍ وقرَأَتْه، أرسَلَتْ بكتابٍ إليه تَسْتَمِيلُهُ لكفِّ ما يُرِيدُه؛ مِن لَحَاقِها به، وخضوعِها لله، ونزولِها تحتَ حُكْمِه، وأرادتْ أن تَختبِرَ صِدْقَ دعْواه: هل هو صاحبُ دُنْيا؛ فتُسكِّنَهُ الهديَّةُ ـ لأنَّ صاحبَ الدُّنيا إنْ جاءه ما يُريدُ، سكَنَ طمعُه؛ لتحقُّقِ مقصودِهِ ـ أو صاحبُ دِينٍ ومقصودُهُ عبادةُ اللهِ وحدَه؟ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: بعَثَتْ إليه بوصائِفَ ووُصَفَاءَ، وألبسَتْهُمْ لِبَاسًا واحدًا؛ حتى لا يُعرَفَ ذكَرٌ مِن أُنثى، فقالتْ: إنْ زَيَّلَ بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ مِن الأُنثى، ثمَّ ردَّ الهديَّةَ، فإنَّه نبيٌّ، وينبغي لنا أنْ نترُكَ مُلْكَنا، ونتَّبِعَ دِينَه، ونَلحَقَ به (1) .

وقال ابنُ زيدٍ: إنَّها قالتْ: إنَّ هذا الرجلَ إنْ كان إنَّما هِمَّتُهُ الدُّنيا، فسنُرْضِيه، وإنْ كان إنَّما يُرِيدُ الدِّينَ، فلن يَقبَلَ غيرَهُ (2) .

حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:

ولمَّا جاءتِ الهديَّةُ سليمانَ، رَدَّها ولم يَقْبَلْها؛ لأنَّ اللهَ لم يَبعَثْهُ جابيًا للمالِ باحثًا عنه؛ وإنَّما مريدًا للناسِ العِبادةَ واستسلامَهُمْ للهِ، لا له.

وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على عدمِ جوازِ قَبُولِ العالِمِ والمُصلِحِ الهديَّةَ إنْ كان مُهدِيها يُريدُ بها استمالةَ المُصلِحِ إلى ضلالِهِ أو إسكاتَهُ عنه؛ فإنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (18/ 53 (.

(2) «تفسير الطبري» (18/ 54 (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت