فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 2794

وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: 7] ، والطَّائِفتانِ: قافلةُ أبي سُفْيانَ، وفِرْقةُ قريشٍ المُناصِرةُ له.

فقد يتعيَّنُ الجهادُ على بعضِ الناسِ، ولا يتعيَّنُ على غيرِهم؛ كقيامِ الحاجةِ لأهلِ الظُّهُورِ ـ كالبعيرِ والفرَسِ ـ فيَجِبُ عليهم، ولا يجبُ على الراجِلِ الذي لا يُستفادُ مِن سَيْرِهِ على قَدَمِه، وقد يتعيَّنُ على الرُّمَاةِ وحُذَّاقِ القتالِ عندَ الحاجةِ إليهم واستنفارِهم، ولا يجبُ على غيرِهم.

وأمَّا استشارةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لِمَن معَهُ في بَدْرٍ في قتالِ قريشٍ لمَّا جاؤوا مِن مكَّةَ نُصْرةً للقافِلةِ، ثمَّ قتالُهُ، فذلك تطييبًا منه صلّى الله عليه وسلّم لنفوسِ أصحابِه وخاصَّةً الأنصارَ؛ لأنَّهم أهلُ المدينةِ التي سيَرْجِعونَ إليها وتُؤْويهِم، فربَّما استثقَلَتْ بعضُ نفوسِهمُ الحربَ بعدَ أَمْنِهم ورَغَدِهم في سابقِ سِنِيهِم، ولأنَّه للمُنافِقينَ فيهم كلمةٌ تُؤثِّرُ قبلَ استبانةِ أمرِهم وفَضْحِ القرآنِ لهم، فأرادَ النبيُّ أنْ تَطِيبَ نفوسُهُمْ بالجِهادِ ويَظهَرُوا عندَ أنفُسِهم وقومِهم ومَن وراءَهم أنَّهم أهلُ اختيارٍ لا إكراهٍ؛ تطييبًا لأنفُسِهم، وقطعًا لِقَالَةِ المُنافِقينَ مِن ورائِهم، وقد كانتِ الأنصارُ لَمَّا بايَعُوا النبيَّ في العَقَبَةِ، قالوا: «إنَّا بُرَآءُ مِن ذِمَامِكَ حتَّى تَصِلَ إلى دِيَارِنا، فإذا وَصَلْتَ إلينا فأَنْتَ في ذِمَّتِنا؛ نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أبناءَنا ونِسَاءَنا» (1) ، فلم يكُنْ في بيعتِهم نُصْرَتُهُ إلاَّ على مَن دهَمَهُ بالمدينةِ؛ فأراد أن يَستظهِرَ منهم أَمْرَ نُصْرَتِهِ خارِجَ المدينةِ مِن عدوِّه.

واستِشارتُهُ للأنصارِ أيضًا أَدْعَى لصَبْرِهم على العاقبةِ ولو كانت ثقيلةً أو شديدةً عليهم؛ لأنَّه اختيارُهم.

وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى على لسانِ إبراهيمَ لابنِهِ: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «سيرة ابن هشام» (1/ 615) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت