وقولُه: {ظَاهَرُوهُمْ} ؛ يعني: صارُوا لهم ظهيرًا؛ كالظَّهْرِ مِن خَلْفِ الإنسانِ يقومُ به ويُسنِدُه.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مَن ظاهَرَ العدوَّ على المُسلِمينَ، أخَذَ حُكْمَهم؛ كما قال تعالى: {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا *} ، فقتَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم رجالَ بني قُرَيْظَةَ لأجلِ ذلك، وسَبَى نساءَهم وذَرَارِيَّهم.
وبنو قُرَيْظةَ لم يُقاتِلوا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وإنَّما كانوا ظهرًا لقريشٍ، فأخَذُوا حُكْمَهم؛ فإنَّ مَن قاتَلَ مواجَهةً، أو كان ظهيرًا لِمَنْ قاتَلَ المُسلِمينَ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَهم في جوازِ قتالِه، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ المظاهِرينَ والحُلَفاءِ للأعداءِ مِن نَقَضَةِ العهودِ مِن المعاهَدينَ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [البقرة: 100] ، وقولِ اللهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] ، وقولِهِ تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] .
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *} [الأحزاب: 28 ـ 29] .
أمَر اللهُ نبيَّه أنْ يُخيِّرَ أزواجَهُ بين اختيارِه وبين اختيارِ الحياةِ الدُّنيا والنعيمِ فيها والتلذُّذِ بلَذَّاتِها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يَبعَثْهُ اللهُ ليتنعَّمَ في