ابنُ أبي حاتمٍ (1) .
وحمَلَ ابنُ عبَّاسٍ في وجهٍ آخَرَ الذي أَرَاهُ اللهُ على أنَّه الكتابُ المُنزَّل (2) .
وتدلُّ الآيةُ بدليلِ الخطابِ: أنَّ ما لم يَقْضِ اللهُ به في وحيِه، فلِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم الحُكْمُ فيه بما يَراهُ؛ لأنَّ الأمرَ مقيَّدٌ بما بانَتْ حُجَّتُهُ مِن الكتابِ، وظهَرَ مرادُ اللهِ فيه.
روى مالكٌ، عن ربيعة الرأيِ قولَهُ: «أنزَلَ اللهُ القرآنَ وترَكَ فيه موضعًا للسُّنَّةِ، وسَنَّ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم السُّنَّةَ وترَكَ فيها موضعًا للرأيِ» ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (3) .
وما أَرَى اللهُ نبيَّه في قولِه: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} يَدخُلُ فيه الأمرانِ:
ـ الأحكامُ القطعيَّةُ على نتائجِ الأشياءِ، فلا تُبحَثُ ولا تُنظَرُ؛ كالنَّهْيِ عنِ الشِّرْكِ والسِّحْرِ والخمرِ والزِّنى والسَّرِقةِ، ووجوبِ الصلاةِ والزكاةِ والصيامِ والحجِّ، والمُباحاتِ؛ كحِلِّ البيوعِ والمعامَلاتِ والملبوساتِ؛ فهذه قطعيَّةٌ لا تُبحَثُ أدواتُ إثباتِ حُكْمِها؛ لأنَّ اللهَ قضى فيها.
ـ أدواتُ الحُكْمِ الموصِّلةُ إليه؛ وذلك مِن معرفةِ البيِّناتِ؛ كالشُّهودِ والإقرارِ واليمينِ وغيرِها؛ ممَّا دلَّ الدليلُ على أنَّه أداةٌ موصِّلةٌ إلى الحُكْمِ، فيُؤخَذُ بها ولو مالَتِ النفسُ أو عَلِمَتْ غيرَها، فلا يَجوزُ للحاكمِ أن يَحكُمَ بعِلْمِه، ولا بما يُحِبُّ، ولا بِتَرْكِ ما يَكرَهُ؛ ولذا قال مطرٌ في قولِه: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ؛ قال: «بالبيِّناتِ والشهودِ» (4) .
ومَن حكَمَ بأدواتِ الحقِّ التي أمرَ اللهُ بها، حكَمَ بما أَرَاهُ اللهُ، ونجَا وبرِئَتْ ذمَّتُه، ولو لم يكُنْ ذلك الحُكْمُ في باطنِهِ يُوافِقُ حُكْمَ اللهِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (4/ 1059) .
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) «تفسير ابن أبي حاتم» (4/ 1059) .