فَصَاعِدًا)، وهذا صريحٌ في النهيِ عن القطعِ فيما هو أقلُّ منه، وحديثُ ابنِ عمرَ فعلٌ مجرَّدٌ في القطعِ بثلاثةِ دراهمَ، وظاهرُ النهيِ في حديثِ عائشةَ للتحريمِ؛ لأنَّه نهيٌ عن إقامةِ حدٍّ واجبٍ، ولا يَرفَعُ الحدَّ الواجبَ إلاَّ أمرٌ مؤكَّدٌ مِثلُهُ أو أشَدُّ، فحُمِلَ على المنعِ للتحريمِ، وحُمِلَ حديثُ ابنِ عمرَ على موافقةِ الصَّرْفِ في الدراهمِ لرُبُعِ الدِّينارِ؛ كما فعَلَه عثمانُ.
ويعضُدُ ما حَمَلْنَاهُ مِن حديثِ ابنِ عمرَ ما جاء في بقيَّةِ الأحاديثِ؛ كما في روايةِ النَّسائيِّ: (لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ الْمِجَنِّ) ، قيل لعائشةَ: ما ثَمَنُ المِجَنِّ؟ قالتْ: ربعُ دينارٍ (1)
وفي المسألةِ أقوالٌ للسلفِ أُخرى، وما سبَقَ هو الذي عليه فتوى علماءِ البُلْدانِ، وهو المشهورُ منها، ومِن السلفِ مَن قدَّرَ النِّصابَ بخمسةِ دراهمَ؛ كابنِ جُبيرٍ.
وحديثُ ابنِ عمرَ فِعْلٌ لا يَنفي ما عَدَاهُ ولا يُثْبِتُهُ إلاَّ بدَلاَلةٍ أُخرى غيرِ ظاهِرِه؛ كدَلالةِ الأَوْلى، أو دَلالةِ المفهومِ، أو بنصٍّ آخَرَ.
وأمَّا الحِرْزُ: فيَشترِطُهُ عامَّةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ اسمُ السرقةِ في اللُّغةِ إلاَّ ممَّا كان في حِرْزٍ، فالسرقةُ ما أُخِذَ خُفْيةً مِن موضعٍ يُؤمَنُ في مِثْلِهِ على المالِ، والحِرْزُ أصلٌ في تعريفِ السرقةِ، وما أُخِذَ مِن المالِ مِن غيرِ حِرْزِهِ لا يُسمَّى سرقةً ولا الفاعلُ سارقًا؛ ولذا فإنَّ مَنِ اؤتُمِنَ على مالٍ فاخْتَانَهُ لا يُسمَّى سارقًا؛ كالضَّيْفِ يأخُذُ متاعَ مضيِّفِهِ، وأمينِ المالِ يأخُذُ المالَ، وقد رَوَى جابرٌ أنَّ رجلًا أضافَ رجلًا فأنزَلَهُ في مَشرُبةٍ له، فوجَدَ متاعًا له فاخْتَانَهُ، فأتَى به أبا بكرٍ، فقال: خَلِّ عنه؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه النسائي (4935) (8/ 80) .