ويُعرَفُ العاقلُ بمِقْدارِ غَفْلتِه ومواضعِها، وكثيرٌ مِن الشرورِ علاجُها بالتغافُلِ، وذِكْرُها يُحْيِيهَا ويُذْكِيهَا حتى تعظُمَ وتستطيرَ.
وللتغافُلِ ألمٌ عاجلٌ، ولذَّةٌ آجِلةٌ؛ قال الأعمشُ: «السكوتُ جوَابٌ، والتغافُلُ يُطفِئُ شرًّا كثيرًا» (1) .
وقد قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الخُزَاعيُّ: «سَمِعتُ عثمانَ بنَ زائدةَ يقولُ: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، تسعةٌ منها في التغافُلِ، ثمَّ قال: فحدَّثتُ به أحمدَ بنَ حنبلٍ، فقال: العافيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، كلُّها في التغافُلِ» (2) .
ويقولُ الشافعيُّ: «الكَيِّسُ العاقِلْ، هو الفَطِنُ المُتغافِلْ» (3) .
وأحوَجُ ما يكونُ الإنسانُ إلى التغافُلِ مع مَنْ يُكثِرُ خِلْطَتَه؛ كالزوجةِ والولدِ والخادمِ وذوي الأرحامِ والأصحابِ والجِيرانِ، فلو تتبَّعَ الإنسانُ كلَّ ما يَجِدُ في نَفْسِه منه، لَمَا بَقِيَ له عمرٌ، ولم تصلُحْ له حالٌ، ويتحوَّلُ مِن فِتنةٍ إلى أُخرى.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *} [التحريم: 9] .
أمَرَ اللهُ نبيَّه بجهادِ الكفارِ والمُنافِقينَ؛ وذلك أنَّهم أشدُّ أعداءِ الأُمَّةِ؛ فالكفارُ مِن خارجِها، والمُنافِقونَ مِن داخِلِها، وقد تقدَّم الكلامُ على جهادِ الكفارِ في مواضعَ، خاصَّةً سورةَ البقرةِ، وأمَّا جهادُ المُنافِقينَ، فقد تكرَّرتْ هذه الآيةُ بحروفِها في موضعَيْنِ: الأولُ في التوبةِ، الآية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (8101) .
(2) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (8028) .
(3) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (8030) .