وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه يُشرَعُ التأكيدُ على المواثيقِ العظيمةِ، بالإقرارِ والتعاهُدِ؛ فاللهُ تعالى أخَذَ عليهم الميثاقَ، ثمَّ سُئِلُوا الإقرارَ به بعدُ، فأقَرُّوا؛ أيْ: إنَّ تعاهُدَ الميثاقِ العظيمِ بعدَ أَخْذِهِ مطلبٌ، وذلك بحسَبِ قوةِ الميثاقِ وأثرِ إبطالِهِ على الناسِ.
وميثاقُ الأعراضِ أعظَمُ مِن ميثاقِ النَّفْسِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] .
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ مُخالفتَهُمْ للأمرِ في قولِه: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} ؛ أيْ: بعدَ كلِّ ما أُخِذَ عليكم، وأقَرَّ به مَنْ سبَقَكم، وشَهِدتُّمُوهُ في كتابِكم.
وفي الآيةِ: دليلٌ على حُرمةِ قتلِ النفسِ، ويأتي تفصيلُه ـ بإذنِ اللهِ ـ في هذه السورةِ.
وفيها: تحريمُ إخراجِ الإنسانِ مِن ديارِهِ وأرضِهِ وتغريبِهِ بغيرِ حقٍّ، والإخراجُ مِن البلدِ عقوبةٌ شرعيَّةٌ يجبُ ألاَّ تَنْزِلَ إلا بسببٍ شرعيٍّ؛ قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] ، فجعَلَ اللهُ سببَ الإخراجِ مِن البلدِ: محاربةَ اللهِ ورسولِه، وإنزالُ العقوبةِ لمجرَّدِ مخالَفَةِ المحكومِ للحاكمِ في رأيِهِ ـ الذي لا يخرُجُ عن حدِّ النقلِ والعقلِ ـ غيرُ جائزٍ.
ولمَّا جعَلَ اللهُ النفيَ عقوبةً، دلَّ هذا على أنَّ بقاءَ الإنسانِ في بلدِهِ حقٌّ مشروعٌ له، يجبُ أنْ يُحفَظَ ويُصانَ، ومِن واجباتِ وليِّ الأمرِ حِفظُهُ، وليس نَزْعَهُ؛ وهذا كما أنَّ قطعَ اليدِ في السرقةِ دليلٌ على أنَّ