وفي الإجماعِ نظرٌ، ولأحمدَ قولٌ بصِحَّتِهِ؛ لظاهرِ حديثِ عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسٍ، ولكنَّ عَمَلَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وخلفائِهِ مِن بعدِهِ وعَمَلَ الصحابةِ: أنَّهم لم يكونُوا يَقِفُونَ قبلَ زوالِ الشمسِ بِعَرَفةَ، ولا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم أنَّه وقَفَ قبلَ الزوالِ، أو أمَرَ به.
وجمهورُ العلماءِ على صحةِ وقوفِهِ وحَجِّه.
وذهَبَ مالكٌ: إلى وجوبِ الوقوفِ ليلًا ولو قليلًا بعدَ غروبِ الشمسِ، ورَأَى على مَنْ أفاضَ قبلَ الغروبِ الرجوعَ إلى عَرَفةَ، أو إعادةَ الحجِّ مِن قابِلٍ، مع الدمِ عليه مِن العامِ القابِلِ.
ومَن صَحَّحُوا الحَجَّ اختَلَفُوا في وجوبِ الدمِ عليه؛ فأَوْجَبَهُ جمهورُهُمْ؛ وهو مرويٌّ عن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ وسُفْيانَ.
واختَلَفَ هؤلاء فيه إذا رجَعَ إلى عَرَفَةَ ليلًا فوقَفَ فيها؛ فأَوْجَبَ عليه الدمَ أبو حنيفةَ، ولم يَرَهُ عليه الباقُونَ؛ لأنَّهم يرَوْنَ وقوفَهُ بعدَ رجوعِهِ صحيحًا؛ كما لو كان باقيًا فيها لم يَخْرُجْ منها.
ولا يجبُ للوقوفِ طهارةٌ أو يقظةٌ، فمَن وقَفَ مُحْدِثًا أو مَرَّ بها نائمًا كلَّ الوقوفِ، صحَّ وقوفُه عندَ السلفِ لا يَختَلِفُونَ في ذلك؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ.
وليس في الآيةِ تفضيلُ الذِّكْرِ عندَ المَشْعَرِ الحرامِ على الذِّكْرِ بعَرَفةَ؛ فإنَّ الذِّكْرَ والدعاءَ بعرفةَ أفضلُ، ولكنَّ اللهَ أرادَ بيانَ مشروعيَّةِ الإفاضةِ إلى مزدَلِفةَ والوقوفِ عندَها والمبيتِ فيها ذاكِرينَ اللهَ، لا كما يفعلُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن تبديلٍ؛ فإنَّ قريشًا لا تَقِفُ بِعَرَفةَ، فكانت تشدِّدُ على نفسِها، ولا تخرُجُ في حجِّها مِن حدودِ الحرمِ، فتقفُ بمزدَلِفةَ ثمَّ تنصرِفُ إلى مِنًى، وكانوا يُسَمُّونَ أنفُسَهمُ الحُمْسَ مِن دونِ العربِ، إلا مَن تَحَمَّسَ